عزت قرني يقدم نظرية مصرية تأسيسية لمفهوم الشر
القاهرة ـ من أحمد مروان
مفهوم الشر، وعواقبه، وأسبابه في النفس البشرية والدوافع الاجتماعية نحوه لا يزال يجذب علماء النفس والاجتماع لتقديم نظرياتهم بشأنه، لكن على الرغم من أهمية ظاهرة الشر ومشكلته، فإنها لم تحظ إلى الآن، بالفحص التفصيلي الشامل، حتى إنَّ من تحدث، أو تعرض للكتابة حولها لتقديم موقف في شأنها، يعتبرون قلة نادرة، سواء في القديم أو الحديث، وقد اقتصروا على وضع أفكارهم في هيئة مختصرة، كفقرات في كتاب أو على الأكثر، كفصل من كتاب أو مقال مفرد وحسب. وأهم من تعرضوا لها نظروا إليها غالباً من منظور دينى، وهو مقيد بالعقائد المعينة لهذا الدين أو ذاك.
في كتابه "نظرية الشر"، يقدم د. عزت قرني، رؤيته التفصيلية للموضوع، وكان قد خصص من قبل كتاباً عن "غايات الإنسان"، وآخر تلاه عن "فكرة الخير"، وبعد فراغه من تحرير كتاب "الإنسان، التكوين الأساسي والظواهر الكبرى"، رأى لزاماً عليه أن يتفرغ لبحث مسألة الشر بكل تفصيل ممكن، ليس من الناحية الوصفية، ولا من تلك التاريخية للآراء التي قيلت في شأنها، بل من وجهة نظر "تأصيلية" أي "فلسفية"، تقدم نظرية مصرية تأسيسية في هذا الموضوع الخطير، معتمدا، ليس فقط على نتائج الكتب الثلاثة المذكورة أعلاه، بل وكذلك على ثلاثة سبقتها في التحرير وفي النشر، وهي "تأسيس الحرية" و"طبيعة الحرية" و"ذات والإعتقاد ونظرية الفعل".
وسوف يلاحظ القارئ الإشارات المتكررة إلى هذه الكتب الستة وإلى نتائجها ومواقفها، وإن كان الكتاب الحالي يقوم بذاته فيما يخص موضوعه المباشر.
صورة الشر تتراءى أمامنا وهو يغزو الحياة الإنسانية بأكملها وفي كل جوانبها، حتى لكأنها في الأساس مأساة على التعميم، قد نفوز فيها هنا وهناك ببعض من لحظات السرور والرضا والإطمئنان وحسب، بينما كثرتنا إنما تعيش في البؤس والشقاء ولكنها لا تدري
ويتضح من مقدمة الكتاب أنه تم تحريره خلال ستة أشهر من عام 2005، ولكن جمع مادته استغرق سنوات سابقة، بل استعمل فيه المؤلف كل المعارف التي حصَّلها والأفكار التي توصل إليها خلال كل حياته، ذلك أن مسألة الشر، كما الخير، هي شأن كل الحياة، كما يرى الكاتب.
كتاب "نظرية الشر" يبدو أنه موجه إلى كل فئات القرَّاء المهتمين بالفكر، وبخاصة الفكر التأصيلي، أي ذلك الذي يسعى إلى وضع الأصول وتقديم نظم تنظيرية لأهم جوانب الثقافة.
يقول المؤلف: "وقد يجد بعض القراء أن جرعة التجريد أقوى في بعض الفصول، منها الثاني والثالث والخامس والسابع، ولكن القارئ سيجد القراءة ميسرة كثيرا في باقي الفصول، وربما يستطيع الإبتداء بالفصل الأول ثم يتجه إلى التاسع ليثلث بالثامن، وهي ربما كانت أيسر الفصول ورودًا، ويكون هكذا قد استعد لمقابلة الفصول الأخرى بدءاً من الثاني".
اهتم الكاتب دائماً بإيراد الشواهد التاريخية، وذلك في شتى الفصول وليس في بعضها دون بعض، وربما سيساعد القارئ على الإنطلاق بثقة في قراءته أن المؤلف اجتهد دائماً في تعريف المصطلحات التي يستخدمها في كل فصل من فصول الكتاب، وأن يلتزم عبر كل الفصول بالتعريفات والدلالات التي حددها لتلك المصطلحات، وسوف يجد القارئ أهم المصطلحات مجمعة ومصنفة في "جدول مقولات الشر" في الفصل الثاني، خامساً.
عمومية تجربة الشر وخبرته
نستطيع أن نتصور أنه منذ ظهور الكائن الحي الذي سيسمى "إنسانًا"، على ظهر الأرض، كانت تقف أمامه دائماً ظاهرة الشر، التي نسبها حيناً إلى القوى الكونية الخافية القاهرة أو إلى أشياء في العالم أو إلى بشر مثله أو إلى حيوان أو حتى إلى نفسه، وذلك في كل حالة يحدث فيها له أو لمن يهمونه أو لأشيائه التي تخصه أو للآخرين أو لمكونات العالم المتنوعة ذات الصلة الإيجابية به، أذى أو ضرر أو فناء لكائن أو لشيء نافع أو ضروري، إن الشر، أي حدوث الضرر، ملازم لحياة الإنسان، وهو أمر "ضروري"، و"طبيعي" في الحياة، يعاني منه الفرد والجماعة.
وهذا يعني خبرة الشر، واردة الوقوع عند البالغ وعند الطفل، وهي خبرة مبكرة الحضور متعددة الأوجه، فإن حياة الإنسان هي معاً اجتهاد دائم في تحصيل الخيرات وجهاد قائم في صد الشرور، وفي حالات العسرة فإن صد الشر يحتل مرتبة أهم من مراتب السعي نحو النفع الصالح، بل إن منع الشر، سواء بتجنبه أو بالقضاء عليه إن ظهر، لهو خير بنفسه، ولكنه خير سلبي، ومفهوم "السلامة" نفسه له وجه إيجابي هو وجه حصول المناسب للذات، ووجه سلبي هو وجه التخلص مما قد يسبب لها أضراراً في الحال أو الإستقبال.
ويوضح المؤلف أنه من شأن ما تقدم أن ينبهنا إلى حقيقة اتجهت إلى إغفالها معظم النظريات عن الشر التي انتهى إلينا علمها، ألا وهي أن الشر ليس مشكلة أخلاقية ولا خلقية، وحسب ولا أنه مجرد "الخطيئة" أو "العصيان" أو "الحرام" عند هذه النظرة الدينية أو تلك، بل هو أعم من هذا بكثير، وما الجانب الأخلاقي والخلقي إلا جانب يسير من ظاهرة الشر التي تتصل بشتى جوانب جسم الإنسان وذهنه ونفسه وذاته، فرداً وجماعةً ونوعاً.
ومما يكشفه الكتاب أيضا أنه من الطبيعي جداً أن ينطلق الذهن الإنساني، وبعد الخبرة المحيطة المسيطرة بالشر، إلى محاولة التفكر عليه بهدف تفسيره وفهمه، وقد بدأ ذلك مع البدايات الأولى للتجمعات الإنسانية نفسها، واستمر مع أشكال التفكير العليا، بحيث ظهرت محاولات تفسير الشر وفهمه في الأساطير والأديان والأصوليات، بل وفي بعض المباحث العلمية كذلك.
إن وجود الشر هو خبرة إنسانية أساسية وعامة، كذلك فإنها فردية وجمعية، حيث إن الجماعات ينالها الشر هي الأخرى، بالأمراض الوبائية وأحداث الطبيعة المدمرة والضعف على أشكاله والفقر والتبعية والإبادة أو ما يقرب منها .
وأساس عمومية خبرة الشر وجوهريتها هو التفاعل بين عناصر التكوين الأساسي الإنساني من جهة، وعلاقاته مع العالم ومع الآخرين من جهة أخرى، ولعل الخبرة التأسيسية الإبتدائية عن الشر أن تكون خبرة الألم من جهة وخبرة الحرمان من جهة أخرى، الحرمان إن من الحصول على ما يشبع الحاجات الجسمية الأساسية أو من تحقيق الرغبات، وإذا كانت خبرة الألم من جهة وخبرة الحرمان من جهة أخرى، الحرمان من الحصول على ما يشبع الحاجات الجسمية الأساسية أو من تحقيق الرغبات.
وإذا كانت خبرة الألم أحد أبرز الأمور حفظا في الذاكرة، فإن خبرة الحرمان أعم وأكثر وروداً، ولكن كليهما يعمل بوارد تهديد الذات عند بعض البشر، وتتأكد عمومية خبرة الشر وجوهريتها فردياً وجمعياً من أنه لا مجتمع بغير قوانين وقواعد واجبة الإحترام، ومن تعداها وجب عليه العقاب، وهو شر لمن يتلقاه، كما إنه رد على شر إرتكب قصداً في حق الآخرين، وكأن كل فرد إنساني يحمل بين جوانحه إمكان إحداث شر للغير، أي الإضرار والعدوان، وبخاصة للضعيف من الغير، فكان ظهور القوانين على أنواعها، من أجل وأد إمكان إرتكاب الضرر والعدوان وللعقاب عليه، هو ما يستهدف المرتكب نفسه والآخرين كذلك من الملاحظين حتى يرتدعوا عن إرتكابه مستقبلاً.
ومرة أخرى تتراءى أمامنا صورة الشر وهو يغزو الحياة الإنسانية بأكملها وفي كل جوانبها، حتى لكأنها في الأساس مأساة على التعميم، قد نفوز فيها هنا وهناك ببعض من لحظات السرور والرضا والإطمئنان وحسب، بينما كثرتنا إنما تعيش في البؤس والشقاء ولكنها لا تدري.
يذكر أن كتاب "نظرية الشر" للدكتور عزت قرني، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويقع في نحو 350 صفحة من القطع الكبير .(وكالة الصحافة العربية)