عز الدين نجيب: رحلتي مع الكتابة القصصية بدأت قبل أول معرض

الكاتب والفنان التشكيلي المصري تأثر في بداية تكوينه بالفكر الثوري المنحاز للشعب ونضاله وموروثه الحضاري.


عز الدين نجيب اعتقل ثلاث مرات وكانت محكا لاختبار إيمانه بمبادئه وقدرته على الصمود


جائزة الدولة التقديرية لم تتأخر عني بالنظر إلى تصنيفي كمعارض سياسي طوال السنين السابقة على نيلها

القاهرة ـ من ضياء حامد

عز الدين نجيب فنان تشكيلي أقام 26 معرضا فرديا، بخلاف المعارض الجماعية وشارك في تأسيس بعض قصور الثقافة بالمحافظات، وعمل بها مشرفا فنيا وحصد العديد من الجوائز منها جائزة الدولة التقديرية. 
له العديد من المؤلفات والمجموعات القصصية، كما يرأس جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة منذ عام 1997. يتحدث عن المؤثرات التى أثرت عليه فكريا وفنيا قائلا: بدأت مشواري الفني عام 1964 بإقامة أول معرض لي بالإسكندرية واستلهمت فيه تجربة بناء السد العالي ضمن كوكبة من الفنانين أنذاك، حيث قمنا بزيارة موقع العمل وتفاعلنا مع المشروع القومي للنهضة الوطنية، وعايشنا أهل النوبة قبل تهجيرهم وغرق قراهم في أعماق بحيرة السد، وكان ذلك امتدادا لاستلهام واقع المجتمع والقرية – حيث نشأت - وحياة الكادحين من فلاحين وعمال. 
تأثرت في بداية تكويني كفنان وكاتب بالفكر الثوري المنحاز للشعب ونضاله وموروثه الحضارى، وأعتقد أن ذلك كان هو المناخ المحرك لجيلي من المبدعين في شتى المجالات  ليس من منظور نظام الحكم الناصرى حينها، لأنني كنت دائما في جانب المعارضة السياسية للنظام، وإن آمنت بمبادئه لتحقيق العدالة الاجتماعية، بل من منظور المثقف الثوري الذي يؤمن بالحرية ويقف في جانب المقاومة للاستبداد والرجعية والتبعية الثقافية، ويسعى لتأصيل الهويه القومية الممتده بجذورها في تاريخنا الحضاري.

الموروث في منظوره هو عامل من عوامل الهويه الثقافية، وفي بلد مثل مصر يتشكل من طبقات حضارية تمتد آلاف السنين ولا يزال شعبها يعيش الكثير من ملامحها

وعن تجربته في المعتقل وتأثيرها على أعماله الفنية قال: اعتقلت ثلاث مرات أعوام (1972 – 1975 – 1997) وكانت هذه الفترات محكا لاختبار إيماني بمبادئي وقدرتي على الصمود علما بأنني حتى وإن كنت منشغلا دائما بالحراك والتغيير السياسي، إلا أنني لم أشتغل قط بالسياسة كعمل حزبي أو تنظيمي، لقناعتي بأن الفنان يتجاوز قيود السياسة وتقلباتها، فحياته تقوم على الحرية والحلم بالأفضل، ويقف على يسار أي نظام حتى ولو كان هو الأقرب إلى مبادئه، لذلك كنت أخرج من السجن في كل مرة وأنا أكثر صمودا وثقه في دور المثقف والمبدع، ولم تستطع فترات الاعتقال – لي وللكثيرين من زملائي المبدعين – أن تحول بيني وبين مواصلة الإبداع والحلم حتى بداخل الزنازين. 
وقد نشرت رسومي ومذكراتي بعد الإفراج عني في كتابين هما: مواسم السجن والأزهار 1998  ورسوم الزنزانة 2014، وقد لا يكون هناك في مصر فنان غيري واجه تجربة السجن السياسي منذ الستينيات، وبالتالي لم يسبقني فنان إلى نشر رسومه ومذكراته عنها، قبل وبعد ثورة يونيو/حزيران 2013 ، لكنني لم أجعل من هذه التجارب مبررا للأخذ بالأساليب الواقعية المباشرة، بل كنت دائم البحث عن رؤية تعبيرية ومجازية منفتحة على اتجاهات الفن العالمي دون التخلي عن الخصوصية المحلية .
أما بخصوص حصوله على جائزة الدولة التقديرية عام 2014 ولماذا تأخرت الجائزة رغم مشواره الفني الطويل؟ أجاب: لا أظن أن الجائزة تأخرت عني  بالنظر إلى تصنيفي كمعارض سياسي طوال السنين السابقة على نيلها، وربما لو لم تقم ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 ما كنت حصلت عليها  فإن الحراك الثوري بعدها سمح بصعود كثيرين ممن قاوموا الاستبداد والقهر طوال الأجيال السابقة، فضلا عن أنني لم أسعَ يوما للفوز بالجوائز أو التقدم للحصول عليها ، دون أن يخامرني إحساس بالظلم، لأنني الذي اخترت موقفي المعارض أو المستقل وعليّ أن أدفع ثمن اختياري.
من هنا جاء اعتزازي بالجائزة، خاصة أنها منحت لي من خلال تصويت سري ثلاث مرات متتالية في الجلسة نفسها بالمجلس الأعلى للثقافة، وجاءت النتيجة بإجماع أصوات لجنة تضم أكثر من أربعين عضوا من كبار رجال الفكر والنقد والابداع.

Ezz
طاقة روحية وجمالية 

وعن تعرض لوحته "آدم وحواء" للاعتداء في أتيليه القاهرة، قال: ما حدث لهذه اللوحة ظل لغزا لم أجد حلا له حتى اليوم بعد سنوات من حدوثه، وهناك شكوك بالطبع في وجود دوافع انتقامية أو عقائدية من جهة أو تيار ما لكني لم أملك دليلا حتى أوجه الاتهام لأحد، وربما كنت قد أقنعت نفسي بأن ما حدث جزءا من تصفية حسابات سابقة، وقد اعتدت على ما هو أقسى منها بكثير، خاصة ما حدث لمرسمي بقصر المسافر خانة عام 1976 حيث تم تدمير ثلاثين لوحة من أعمالي غير تحطيم كل أثاث المرسم بتدبير مباشر من جهات رسمية، لكن ما آلمني أكثر من أي شيء آخر في موضوع لوحة "آدم وحواء" هو الموقف السلبي الذي اتخذه أعضاء مجلس إدارة اتيليه القاهرة، الذي انتمي إليه واعتبره بيتي الثقافي منذ سنوات بعيدة، حيث أخلوا مسؤوليتهم مما حدث بل ذهبوا إلى الادعاء بأنني قمت بتمزيق اللوحة كنوع من الدعاية والسعي إلى الشهرة، وهو ما جعلني أقوم بتنكيس لوحاتي من فوق جدران القاعة ووضعها على الأرض قبل انتهاء فترة المعرض بنحو أسبوع .
التشكيلي يكتب القصة
وردا على سؤال: هل نجحت مجموعته القصصية "نقطة صغيرة قرب السماء" في الدمج بين اللوحة والقصة؟ أجاب نجيب: بدأت رحلتي الإبداعية ككاتب قصة قبل أن أقيم أول معرض للوحاتي، فلي أربع مجموعات قصصية بداية من عام 1962  وفازت أولاها "أيام العز" بثلاث جوائز من المجلس الأعلى للفنون والآداب، كما صدرت لي بعد مجموعة "نقطة صغيرة … " روايتي ”"نداء الواحة" وقد كتب الأديب الكبير يحى حقي في تقديمه لمجموعتي "المثلث الفيروزي" أنني أمثل رافدا جديدا في كتابة القصة كونها تحمل رؤية جمالية مستمدة من الفن التشكيلي من حيث جعل الصورة السردية أقرب إلى اللوحة التشكيلية ، فضلا عن أن الكثير من أبطال قصصي – وكذا رواية نداء الواحة – فنانون تشكيليون، وبهذا تميزت قصصي بدخول عوالم هؤلاء الفنانين ورؤاهم الخاصة للواقع وللعالم .
أما بخصوص اهتمامه بالبحث عن الجذور والموروث في أعماله، فأكد أن الموروث في منظوره هو عامل من عوامل الهويه الثقافية، وفي بلد مثل مصر يتشكل من طبقات حضارية تمتد آلاف السنين ولا يزال شعبها يعيش الكثير من ملامحها، يصعب على أي فنان الإفلات من سطوة هذا الموروث، لكن الفيصل هو نظرة الفنان إليه وكيفية تعامله معه، فهل يحمله فوق ظهره حتى ينوء به ويعجز تحت ثقله عن التقدم إلى الأمام أم يحمله في داخله كطاقة روحية وجمالية دافعة تمتزج بقيم العصر وملامحه الجديدة القادرة على خوض تجارب الواقع وتطلعات المستقبل. 
وقد اخترت المنظور الأخير إلى الموروث الثقافي من خلال استيعاب فنون الحضارات المختلفة من مصرية قديمة وهيلينية وقبطية وإسلامية وشعبية وامتصاص رحيقها حتى من بين أطلال بعض الواحات مثل سيوه والخارجة والداخلة واستلهام حوار افتراضي من خلالها بين عصور الماضي والحاضر والمستقبل. (وكالة الصحافة العربية)