عفاف طبالة... سندريلا أدب الطفل العربي

تداعب مخيلة أطفالنا بقلمها السحري

في الخامسة والستين من عمرها الحافل بالحب والمغامرة والعمل قررت أن تبدأ نسج حكاياتها وتنفض الغبار من حولها لتنتظر ساحرتها الخاصة التي ستحول حياتها، كما ستغير واقع الكتابة العربية للطفل.

أدب الطفل العربي الذي نشأ قديما مع حكايات الجدات شهد تطوره الأكبر على يد كامل الكيلاني الذي يعتبره الكثيرون – بحق - الرائد الأول بما خلفه من مؤلفات وترجمات واقتباسات للموروث العربي أثرى بها المكتبة العربية، فرغم البدايات المهمة التي تفتحت على يد رفاعة الطهطاوي وترجماته لـ "حكايات الأطفال وعقلة الأصبع"، ومحمد عثمان جلال في "العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ" وأعماله التي نشرها بروضة المدارس وكتابات علي فكري في "مسامرات البنات" ومؤلفات أحمد شوقي ومحمد الهراوي وغيرهم، إلا أن الكيلاني يعده النقاد المؤسس الأول لمكتبة الطفل العربي بعد أن أولى اهتمامه كله للكتابة للطفل منذ كتب قصته الأولى للأطفال "السندباد البحري" عام 1927 وحتى وفاته في 9 أكتوبر/تشرين الأول 1959.

كما ارتبط أدب الطفل العربي في النصف الثاني من القرن العشرين باسم الرائدين الكبيرين عبدالتواب يوسف، ويعقوب الشاروني الذين أثرا مكتبة الطفل العربي وما زالا يثريانها بالكم الأكبر من الكتابات العربية الموجهة للطفل، ولعل انقطاعهما للكتابة للطفل على مدار نصف قرن أو يزيد أسهم في جعل اسميهما بمثابة المرادف الشائع لأدب الطفل المصري والعربي. ولا يستطيع أن ينكر جاحد أو يتجاهل باحث النقلة النوعية الفنية والكمية التي أضافها كلا الكاتبين لمكتبة الطفل العربي، وتحرير أدب الطفل العربي من جمود القالب الفني والوقوع في أسر الكتابات الغربية الموجهة للطفل خلال النصف الأول من القرن العشرين.

وبرغم أننا لا نستطيع أن نتغافل عن أسماء عربية ومصرية بزغت إلى جوار الكاتبين الكبيرين وكان لها دورا كبيرا في تطوير الكتابة العربية للطفل كسليمان العيسي وزكريا تامر وشفيق مهدي وأحمد نجيب ومحمود قاسم وفاطمة المعدول والمسيري وشوقي حجاب وغيرهم الكثيرين، برزت كتاباتهم كعلامات وظواهر لافتة في مسيرة الكتابة للطفل إلا أننا سنظل نعلق باسم الكاتب أكثر من اسم العمل الذي انتجه نظرا للكم الهائل من الأعمال الذي أنتجه هؤلاء الكتاب ومعاصروهم.

كذا ظل أدب الطفل العربي يدور حول فكرة كونه الوسيط التربوي الذي يوفر الفرصة للطفل لمعرفة الإجابات عن أسئلتهم ومساعدتهم على التحرر من الأساليب المعتادة للتفكير وتنمية الخيال والإبداع لديهم.

مع بزوغ فجر الألفية الجديدة زاد الاهتمام العربي بالكتابة للطفل وخصصت جوائز كبرى للأعمال المقدمة للطفل العربي لعل من أهمها جائزة الشيخ زايد في فرع أدب الأطفال. وكان للجائزة فضل التعريف الواسع بسندريلا الكتابة للطفل العربي د. عفاف طبالة بعد أن منحت جائزة دورتها الخامسة لرواية "البيت والنخلة".

"البيت والنخلة" لم تكن العمل الأول للكاتبة وسبقتها أعمال متميزة مكنت الكاتبة من حصد عدد من الجوائز المهمة منها جائزة معرض بولونيا الدولي لكتب الأطفال عن كتابها الأول "السمكة الفضية"، وجائزة أنا ليند عن كتاب "العين"، إلا أن رواية "البيت والنخلة" كانت بمثابة العصا السحرية التي حملت سندريلا من عالم المجهول إلى الشهرة، ودفعت القراء والمهتمين للتنقيب والبحث عن تلك الساحرة التي جاءتهم من المجهول بواحدة من أجمل الروايات العربية للأطفال والشباب. فأغلب الروايات الموجهة للشباب كانت إما تخلص للنواحي التربوية ككتابات الرائد التربوي الكبير على ماهر عيد، أو تعتمد على المغامرات والأفكار البوليسية لتشويق القراء، لكن طبالة في "البيت والنخلة" كان رهانها الأكبر على الفن، فصنعت لبهانة بطلة العمل أسطورتها الخاصة في رحلتها لتعليم حفيدها بلغة جذلة سلسة تراهن على دلالاتها الموحية وفنياتها العالية الخالية من الزيادات والاستطرادات التي لا مبرر لها، مع حرص الكاتبة على التفكير المنهجي والعقلاني في بناء العمل، وكفكرة رئيسية تنجح في تمريرها عبر السطور لقراءها.

عفاف طبالة تمثل كتاب الألفية الجديدة لأدب الطفل العربي وتعد نموذجا لجيل مختلف بعيدا عن التقسيمات العمرية المتعارف عليها ينظر لأدب الطفل على أنه فن بالدرجة الأولى دون أن يهمل النواحي التربوية والسلوكية المرتبطة بالمراحل العمرية التي يخاطبونها بأعمالهم.

طبالة التي بدأت الكتابة في الخامسة والستين من عمرها بعد تركها رئاسة قناة الدراما وخروجها إلى المعاش لا يمكن مقارنة ما قدمته للطفل العربي - كما - بما قدمه كثيرون. إلا أن أهم ما يميز كتاباتها جديتها واهتمامها أن تقدم الجيد والمختلف والذي يبقى راسخا في مخيلة قرائها من الأطفال والكبار بالرهان على الفن أولا وترسيخ قيمة العقل والتفكير المنهجي والاتكاء على القيم الإنسانية كما في أعمالها المتميزة "أوراق قديمة" و"هولا تاتا هولا" و"سيكا وموكا".. و"عود السنابل" و"أنشودة العودة" وغيرهم.

وإذا كانت المرأة تعد المؤسس الأول لفن الكتابة للطفل بأغاني المهد وحكايات الجدات، فها هي المرأة تستعيد ريادتها لشكل أدبي نشأ على يديها من خلال الطور الثالث لمراحل تطوره على يد جيل جديد ينظر للكتابة للطفل بشكل مختلف ويسعى ليلحق بالتطور الذي طال أغلب الأشكال الفنية والأدبية بعد أن تخلص من أسر القوالب الجامدة والقيود التربوية التعليمية، وتعد عفاف طبالة وكتاباتها خير ممثل للكتابة الجديدة للطفل.

عفاف طبالة.. سندريلا أدب الطفل الجميلة التي تداعب مخيلة أطفالنا بقلمها السحري وتمزج ما بين الخيال والواقع لتحلق بنا وبأطفالنا في عالم من الإبداع الجميل والمتميز.