علي الدين هلال: لا توجد وصفة جاهزة للديمقراطية
ما الديموقراطية؟ وما الأصلان اللغوي والاصطلاحي لها، وإلى أي مدى يمكن الاتفاق على تعريف نظري لها؟ وما القيم والإجراءات والترتيبات المؤسسية التي ترتبط بالنظام الديموقراطي؟ ما السلطوية وسمات النظام السلطوي والأشكال المختلفة له، وتأثير شكل النظام السلطوي في مسار الانتقال الديموقراطي؟ ما ديناميات سقوط النظم السلطوية؟ وما طبيعة الأزمات التي واجهت النظام. وأدت إلى إيجاد الظروف التي هيأت لسقوطه؟ وما طبيعة القوى السياسية والاجتماعية التي دعت إلى تغيير النظام وما أساليبها لتحقيق ذلك؟ وما شكل سقوط النظام السلطوي؟ كيف تعاملت النخب السياسية الجديدة التي وصلت إلى الحكم بعد سقوط النظام السلطوي مع تحديات مرحلة الانتقال إلى الديموقراطية، وإقامة مؤسسات العهد الجديد؟ وما العوامل المؤثرة في ذلك؟ ما المسار الذي أخذته المؤسسات الجديدة؟ وهل قادت تفاعلاتها إلى تعزيز النظام الديموقراطي وتوطيد أركانه. أو إلى الارتداد السلطوي وإقامة نظم سلطوية جديدة؟ وما العوامل المؤثرة في ذلك؟
هذه التساؤلات شكلت المحور الرئيسي الذي قام عليه كتاب د.علي الدين هلال "الانتقال إلى الديمقراطية.. ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟" – والصادر عن سلسلة "عالم المعرفة" بالكويت - معتمدا في إجابته على تجارب عشرات الدول في مجال الانتقال إلى الديموقراطية، والتي نجح بعضها وفشل بعضها الأخر. وفي غمار السياقات المختلفة لهذه التجارب يعيد تشكيل عناصر مفهوم الديموقراطية والنظام الديموقراطي، مؤكدا تنوع خبرات التطبيق في ضوء الظروف الاجتماعية والثقافية المختلفة، وثراء الفكر الديموقراطي من واقع هذه الخبرات العملية.
وأكد هلال على أن أهمية موضوع الديموقراطية تنبع من أنها تتناول قضايا حيوية تشمل طبيعة العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، وأساس الطاعة السياسية أو الالتزام السياسي، والتوازن الضروري والمطلوب بين الحرية والسلطة، وبين الحق والواجب، والعلاقة بين الدولة والقوى الاجتماعية، ومدى تعبير الأول باعتبارها شكلا مؤسسيا وقانونيا عن المجتمع. باختصار، إن البحث في موضوع الديموقراطية هو بحث في الشرعية: شرعية الدولة وشرعية النظم السياسية والاجتماعية.
ولفت إلى أن كتابه يصدر بعد ما يزيد على ربع قرن من ثورات الديموقراطية العالمية، والتي تردد صداها وانتقلت تأثيراتها في كل أنحاء المعمورة، ففي كل مكان من قارات العالم ازدادت المطالبة بتحقيق المشاركة والكرامة والمساواة والعدالة، وهي القيم الأثيرة لدى فلاسفة الديموقراطية. ولم تقتصر هذه المطالبات على المجتمعات التي خضعت لنظم سلطوية، بل امتدت إلى قلب عواصم دول الديموقراطيات المستقرة ومدنها الكبرى، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2011، وتحت تاثير شعار "احتلوا وول ستريت" انطلقت المظاهرات في قرابة ألف مدينة في 85 دولة، رفعت شعارات ضرورة كسر احتكار النخب وجماعات المصالح المنظمة النفوذ السياسي، وإعادة السلطة إلى الشعب. فالدول السلطوية التي سادتها نظم الحزب الواحد أو سيطر عليها العسكريون شهدت الانتقال إلى الديموقراطية، أو الانتقال الديموقراطي، أما الدول الديموقراطية الراسخة فقد شهدت الدعوة إلى مراجعة الممارسات السياسة وأداء مؤسسات الحكم بهدف جعلها أكثر قربا إلى الإنسان العادي وأكثر تعبيراً عن مصالحه، وقد أدى هذان التطوران إلى انتعاش البحث في مفهوم الديموقراطية وما يرتبط بها من قيم وعلاقات وترتيبات مؤسسية.
تحت تاثير شعار "احتلوا وول ستريت" انطلقت المظاهرات في قرابة ألف مدينة في 85 دولة، رفعت شعارات ضرورة كسر احتكار النخب وجماعات المصالح المنظمة النفوذ السياسي، وإعادة السلطة إلى الشعب
وقال هلال إن الاعتقاد السائد بين البعض بأن الديموقراطية علاج لكل الأمراض والعلل الاجتماعية، وأن النظام الديموقراطي هو البلسم الشافي لحالة التخلف بكل ما فيها من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية. غير أن الحقيقة خلاف ذلك، فالديموقراطية مجموعة قيم ومؤسسات تتأثر بسياق المجتمع الذي تنشأ فيه، فشتان بين أداء المؤسسات الديموقراطية (أحزاب ـ برلمان ـ انتخابات ـ حكومة...) في دول الديموقراطيات الراسخة ونظائر هذه المؤسسات في كثير من الدول الأفريقية والآسيوية وفي أميركا اللاتينية. ففي هذه الدول حملت المؤسسات الديموقراطية سمات مجتمعات كالفقر المدقع، وشيوع الأمية، وغلبة الإنتماءات الاثنية، وممارسات الزبانية السياسية على قيم المواطنة والإنتماء الوطني. ومن ثم يتعين على الباحث في موضوع الانتقال إلى الديموقراطية إدراك أنها عملية طويلة الأجل، ومعقدة، وديناميكية، ومفتوحة النهايات، وأن عليه الأخذ بعين الاعتبار اختلاف البيئة التي تتشكل فيها مضامين القيم الديموقراطية والأشكال التنظيمية التي تتخذها.
وأوضح أن خبرات النظم السياسية في مختلف أرجاء العالم تشير إلى أن تقييم النظم الديموقراطية ينبغي ألا يعتمد على وصف المؤسسات وشكلها فقط، بل ينبغي أن يعتمد أيضا على وصف ما تضطلع به من وظائف وأدوار في الواقع. فالنظام الديموقراطي ليس مجرد فاعلين وانتخابات وتشكيل حكومات، وليس مجرد من يحصل على النسبة الأكبر من أصوات الناخبين، بل أيضا ماذا يستطيع هؤلاء الفاعلون من قوى ومؤسسات فعله، ومدى تمثيلهم للمصالح الاجتماعية وقدرتهم على تحسين ظروف الحياة لأكبر عدد من الناس.
ورأى هلال أن الديموقراطية تنهض بجناحين: جناح إجرائي يتعلق بالترتيبات والمؤسسات الانتخابية والتمثيلية ونزاهتها، وجناح موضوعي يتصل بنوعية الحكم وجودته ومضمون السياسات العامة وتمكين المجتمع، ظهر هذا المعنى في الأفكار الخاصة بالحق في الديموقراطية، فبرز على سبيل المثال في الإعلان الذي أصدره الاتحاد البرلماني الدولي في العام 1997، تحت اسم "الإعلان العالمي للديموقراطية" والذي أشار في الجزء الخاص بمقومات الحكم الديموقراطي إلى حق كل فرد في المشاركة في إدارة الشئون العامة في بلده، وتعزيز التعددية السياسية والحزبية، وآليات الرقابة المستقله والمحايدة والفعالة التي تكفل حكم القانون وتضمن الشفافية والمحاسبية، إضافة إلى دور هيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحرة في تهيئة البيئة المناسبة للممارسة الديموقراطية. كما برز المعني ذاته في قرار لجنة حقوق الإنسان التابعه للأمم المتحدة في العام 1999 بعنوان "توطيد الحق في الديموقراطية" الذي شملت بنوده ـ إلى جانب العناصر التقليدية الإجرائية كحق الاقتراع والترشح وإجراء الانتخابات الدورية وحق تكوين الأحزاب والجمعيات وحرية التجمع السلمي ـ حق المواطنيين في الحصول على الخدمات العامة استنادا إلى مبدأ المساواة.
وأضاف المعهد الدولي الديموقراطي والمساعدة الانتخابية استخدام مفهوم "الممارسة الديموقراطية" التي تتجاوز الجوانب الشكلية والإجرائية لتشمل عملية مترابطة من القيم والممارسات، وجوهرها توافر الشعور لدى المواطنيين بأنهم مشاركون ولهم صوت وتأثير في عملية صنع السياسات العامة والقرارات وتنفيذها، بما يضمن تعزيز الحقوق والحريات الأساسية لهم أفرادا وجماعات، ويساعد على تلبية احتياجاتهم ومطالبهم.
وتابع هلال إن الديموقراطية بإيجاز هي أسلوب ومضمون، شكل ومحتوى. وهناك أنماط ونماذج متنوعة لها تدور بين أنصارها جدالات فكرية ممتدة، وعند مقارنة الأهداف بما تحقق فعلا يتضح أن الانتقال إلى الديموقراطية في كثير من البلاد لم يحقق كل النتائج أو الآمال التي دارت بخلد المدافعين عن هذا الانتقال، فأحيانا توقفت النظم الديموقراطية الجديدة عند الشكل دون المضمون، وفي أحيان ارتدت إلى أشكال من السلطوية، ومن ثم جاء أداء هذه النظم مخيباً لآمال المستفيدين المحتملين منها، وهو المعني الذي أشار إليه توماس كاروذرز أحد أهم المنظرين للانتقال الديموقراطي في دراسته بعنوان "نهاية نموذج الانتقال" في العام 2002. أن النظم الديموقراطية وخصوصا الديموقراطيات الجديدة تواجه أربعة تحديات أسياسية: أولها تحدى الحافظ على الإجماع العام بين الفاعلين السياسيين على قواعد العملية الديموقراطية في مواجهة النزاعات العرقية والسلالية، والأصوليات الدينية التي تتعامل مع الآخرين بمنهج الاقصاء والتهميش واستخدامها الأسلوب الديموقراطي لتحقيق أهداف غير ديموقراطية. ويرتبط بذلك تحدي تصاعد الاتجاهات اليمنية والشعبوية، والتي حققت مكاسب إنتخابية في عدد من دول الديموقراطية المستقرة في أوروبا الغربية في العقد الثاني من هذا القرن.
وثانيها تحدي غياب العدالة وتكافؤ الفرص الناشئة عن ديناميات النظام الرأسمالي في عصر العولمة، واستمرار تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في داخل كل دولة، وبين الدول الغنية والدول الفقيرة. وثالثها تحدي التكيف مع الصعود الاقتصادي الآسيوي ـ وفي قلبه الصين ـ وذلك بسبب اختلاف القيم الآسيوية عن بعض الثقافة الديموقراطية في الدول الغربية مثل تركيزها على الجماعه وليس الفرد، واهتمامها بالتوافق والإجماع أكثر من الجدل والاختلاف، وحرصها على التضامن الجماعي أكثر من الحرية الفردية. ورابعها ازدياد دور القادة الأفراد في العملية السياسية، وظهور نموذج "الرجل القوي" صاحب الرؤية والإرادة والقادر على كسب تأييد أصوات الناخبين في كل من نظم الديموقراطيات الجديدة وتلك الراسخة على حد سواء.
الولايات المتحدة التي استقلت في العام 1776 احتاجت إلى أحد عشر عاما لكي تضع دستورها ـ وإلى 144 عاما لإعطاء المرأة حق التصويت، وإلى 188 عاما لمد مظلة الحماية القانونية لجميع الأميركيين وجعل مبدأ المواطنة حقيقة واقعة
وأضاف أن هذه التحديات أفصحت في الدول الديموقراطية الراسخة عن وجود ماوصفه البعض بـ"أزمة الديموقراطية" ومن مظاهرها انخفاض المشاركة في الانتخابات العامة، وتراجع عضوية الأحزاب والنقابات، وتدهور هيبة السياسين ومكانتهم في المجتمع، وضعف الإنتماء الحزبي، وعدم الثقة بالمؤسسات العامة، وازدياد الشعور بأن "السياسة" هي نشاط يتسم بالخداع وخدمة المصالح الشخصية، وكان من شأن ذلك ابتعاد الشباب عنها وانخراطهم في الأنشطة والحركات الاجتماعية. يوضح ذلك ما ورد في التقرير السنوي لوحدة معلومات مجلة "الايكونوميست" للعام 2016 من أن الديموقراطية في حالة ترد، وأنه في هذا العام تراجع الالتزام بالقيم الديموقراطية في 72 دولة، وأن عدد الدول التي شهدت مثل هذا التراجع يفوق تلك التي شهدت تحسنا بنسبة 2 إلى 1، وتم الوصول إلى هذه النتائج بناء على مقياس للديموقراطية يأخذ في اعتباره مؤشرات سلامة الانتخابات، واحترام التعددية، وحالة الحريات المدنية، وأداء عمل الحكومة، والمشاركة السياسية والثقافية السياسية والذي طبق في 160 دولة. وأيضا أشار التقرير السنوي لهيئة "فريدم هاوس" الأميركية للعام 2017 إلى أن مستقبل الديموقراطية في العالم "مظلم"، وأن خصوم الديموقراطية يتقدمون بإطراد لإقامة النظم السلطوية؛ مما يجعل الدول الديموقراطية المتقدمة تواجه أكبر تحد لها منذ نهاية الحرب الباردة.
وشدد هلال على أن الديموقراطية نظام معقد وصعب لأنه يعتمد على الإرادة الحرة للناس وتنظيماتهم المستقلة، وعلى التوافق الاختياري بين النخب السياسية المتنافسة وقبولهم بنتائج ما دامت إدارتها حرة ونزيهة وشفافه، ولذلك فإن إدارة الانتقال إلى الديموقراطية وصولا إلى تعزيزها وتوطيد أركانها عملية مرهقة، وتتطلب قدرا كبيرا من الصبر والحذق والمهارة وعدم الدخول في معارك جانبية وعدم الانسياق وراء شهوة الانتقام والمعارك الصغيرة، وإدراك أنه لا توجد وصفه جاهزة صالحة لكل المجتمعات، أو حل سحري لضمان إقامة نظم ديموقراطية مستقرة، بل إنه على كل شعب أو مجتمع أن يستكشف طريقة ـ وفقا لظروفه ـ لتحقيق هدف الديموقراطية، فقد أوضحت الدراسة المقارنة للانتقال الديموقراطي أن خبرة كل دولة لها خصوصتها، وأن أدوار الفاعلين السياسيين اختلفت من دولة إلى أخرى، كما أنها اتبعت نظما انتخابية مختلفة، وطبقت أشكالا متنوعة من الفيدرالية واللامركزية، وهو ما يثبت أنه لا يوجد نموذج أو سبيل واحد للانتقال الديموقراطي.
وأكد على أن الصبر والمثابرة هما أمران ضروريان لتحقيق الديمقراطية، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة التي استقلت في العام 1776 احتاجت إلى أحد عشر عاما لكي تضع دستورها ـ وإلى 144 عاما لإعطاء المرأة حق التصويت، وإلى 188 عاما لمد مظلة الحماية القانونية لجميع الأميركيين وجعل مبدأ المواطنة حقيقة واقعة.