علي المخلبي يرى أن الأسطورة الدينيّة استجابت لمشغل الاستقلال الديني

الباحث التونسي في كتابه "آدم والتاريخ"، يتساءل: ما هي القيمة التاريخيّة للتأويل الذي قدّمه القدامى لقصص الخليقة في القرآن؟ 


مقارنات بين نصوص الثقافة الإسلاميّة ونصوص سائر الثقافات


ماهية دلالات الرموز التي تتحرك داخل الأسطورة الدينية

ما علاقة الأسطورة الدينية الإسلاميّة، التي تخبرنا عن آدم، بالتاريخ الثقافي العربي الإسلامي من ناحية، وبالتاريخ الثقافي العام من ناحية أخرى؟ وكيف ساهم التاريخ في إنتاج هذه الأسطورة الدينية؟ تساؤلات يطرحها الباحث التونسي المتخصص في الحضارة الاسلامية د. علي المخلبي في كتابه "آدم والتاريخ"، يلحق بها سؤال يختفي من وراء الستار كان دافعاً ذاتياً له للبحث منذ البداية، وهو: ما هي القيمة التاريخيّة للتأويل الذي قدّمه القدامى لقصص الخليقة في القرآن؟ وإلى أيّ مدى عبّر هذا التأويل عن عمق علاقته بالنص المقدس من ناحية، ومدى علاقته بتاريخية خطابه من ناحية أخرى؟ إنّها العلاقة بين النص الديني وتفاسيره؟ بين الإلهي والبشري؟ مؤكدا أن "هذا التساؤل مهم عندما نرى تحوّل الإنتاج الإنساني قديماً وحديثاً إلى إنتاج مقدّس يحتكر الكلمة الإلهية، ويتحوّل فهمه ونصّه إلى قرآن جديد يُحاكَمُ به الناس فيَقْتلون ويُقْتَلون". وراغبا الرغبة في "معرفة مدى حضور التاريخي في العقيدة، ومدى العلاقة التي تجمع بين النص الثابت في بعده المادي، وفهومه المتنوعة وعوامل هذا التنوع ومآله بخصوص مجال محدود هو مجال الأسطورة الدينية.
يقودنا المخلبي في كتابه الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود إلى نشأة الأسطورة الدينية والروافد التي ساهمت في بلورتها في الثقافة الإسلاميّة، وإلى إقامة مقارنات بين نصوص الثقافة الإسلاميّة ونصوص سائر الثقافات، مستمرا في التساؤل حول ماهية دلالات الرموز التي تتحرك داخل هذه الأسطورة الدينية، ليهتمّ بجوانب من المخيال الإسلامي التي هي استجابة وفعل في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، ناظرا في مستويات دلالات الرموز ومقارنتها بالدلالات التي تحملها في الثقافات السابقة أو المعاصرة للثقافة العربيّة الإسلاميّة.

أوّل معالم التغيير الذي يحدثه آدم بناء البيت الحرام أو المساهمة في بنائه، وسيقوم هذا البناء بإظهار قداسة المكان التي كانت مخفيّة، وبضبط طقوس العبادة التي ستمثّل العهد الجديد مع الخالق

يسير مخطط المخلبي في الكتاب على مرحلتين، أولاهما وهي الباب الأوّل: القراءة التاريخية، وقد فصّلها إلى فصلين كبيرين، أوّلهما: يهتمّ بتطوّر الحكاية عند أهل السنّة، وثانيهما: يعتني بتطوّرها عند الشيعة. وثانيتهما وهي الباب الثاني: القراءة التأويلية، وسعى فيها إلى تحليل حكاية آدم بالنظر إلى وظائفها السرديّة، وقد وزّعها على فصلين كبيرين، الأوّل يعتني بالبرنامج السردي الخاصّ بآدم في السماء، والثاني يهتم بالبرنامج السردي الخاص بآدم في الأرض، وبيان العلاقات بين الفواعل، معتنيا باكتشاف رموزها، والنظر في دلالاتها من جهة، ومقارنتها بما ورثته الإنسانيّة زمن الثقافة العربيّة الإسلاميّة من دلالات من جهة أخرى.
يقول المخلبي إن القراءة التاريخيّة للمدوّنة السنيّة والشيعية أفضت إلى تبيّن أن القرن الـ 6 الهجري (الـ 12 الميلادي) كان قرن اكتمال النظر في الأسطورة الدينيّة، وبدا ذلك من خلال الكسائي والراوندي في "قصص الأنبياء"، والحامدي في كتابه "كنز الولد"، أو علي بن الوليد من خلال "الذخيرة في الحقيقة". ويمكن أن نضيف إلى هؤلاء الأعلام علماً صوفيّاً لا إنكار لأهميّته وهو محيي الدين بن عربي، وكتاباً لا إنكار لخطورته هو "فصوص الحكم" الذي شُرِحَ أكثر من مئة شرح. وتكمن أهميّة هذا الأمر في أنّه يؤطّر الأسطورة الدينيّة تاريخيّاً في صلب التطوّر الثقافي العربي الإسلامي، فهي ليست على هامش التاريخ، ولا هي من الموضوعات التي تحتلّ الدرجة الثانية من اهتمام أهل العلم والمعرفة، لقد حظيت بالعناية لأنّها استجابت لجملة من الاهتمامات التي كان الفكر الإسلامي في حاجة إلى الإجابة عنها، وأهمّها السؤال السياسي، ومشغل الاستقلال، وتحصين الذات.
ويضيف "الاهتمام السياسي نراه في صلب المذهب السنّيّ، الذي لم تكن له إجابة حقيقيّة، عن مسألة الحكم وصاحب الشرعيّة فيه؛ إذ اقتصرت إجابات مؤلفات الأحكام السلطانيّة على تبرير الواقع والاستفادة من التاريخ وتفسيره، وذلك في مقابل الخصم السياسي، الذي بنى نظريّته في الحكم وأصحاب الشرعيّة فيه منذ القرن الثالث عبر نظريّة الإمامة. وهو اهتمام سياسي أيضاً بالنسبة إلى الإماميّة والإسماعيلية من خلال تشظّي الولاء بين اليمن وقلعة ألموت، ومن قبلهما مصر "الدولة الفاطميّة" من جهة، وسائر الإمارات ذات المذهب الإمامي من جهة أخرى، ومن خلال ضرورة مقاومة المختلف المذهبي أو النواصب، وضرورة مقاومة الغازي المعتدي وهم المغول من جهة، والصليبيّون من جهة ثانية، فكان أن استجابت الحكاية الإماميّة، عند الراوندي أو عند ابن ميثم البحراني، إلى الاقتراب من الحكاية السنّيّة والحكاية الإسماعيلية في الآن نفسه.
ويشير المخلبي إلى أن الأسطورة الدينيّة استجابت لمشغل الاستقلال الديني، الذي يظهر في سعي أعلامها إلى تأكيد تميّز القول الإسلامي في حكاية آدم عن المشرب، الذي لم يتبيّأ نهائيّاً في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، وهو المشرب الكتابي، وقد استجابت أيضاً لعمليّة تحصين الذات ضدّ المخاطر الغربيّة "الحروب الصليبيّة" والشرقيّة "الغزو المغولي"، وهو ما يعني أنّ انفتاح الثقافة العربيّة الإسلاميّة في القرون الأولى كان دليلاً على قوّتها وقدرتها المعرفيّتين على استيعاب ما يخالفها وتبيئته، في حين أنّ السعي إلى تحصين الذات كان دليلاً على ضعفها المعرفي، وهو ما سيتدعّم بعد ذلك بقليل مع ابن كثير وأمثاله من أهل السنة، وحيدر الآملي وأضرابه من أهل العصمة.
ويؤكد أن القرن الـ 6 الهجري (الـ 12 للميلاد) كان حبكة تطوّر الأسطورة الدينيّة الإسلاميّة وعقدتها، ففيه تجلّت كل مياثم الحكاية وتفاصيلها في صياغة سرديّة تامّة لا تقطعها، إلا أحياناً، الإحالات على الرواة أو غيرهم، وقد تداخلت العناصر التي كانت تميّز المذاهب في القرون السابقة في هذا القرن، فكان أن رأينا اعتزال الراوندي، وعرفانيّة ابن ميثم البحراني، وهما من الإماميّة، وكان أن توافرت في الكسائي ما يمكّن من تنازع ولائه بين السنّة والشيعة، دون إلغاء سعيه إلى الاعتبار شأن سعي الجاحظ المعتزلي في كتابه "الحيوان"، وتوافرت في الحامدي وعلي بن الوليد ما يجعله إسماعيليّاً عرفانيّاً. وقد لا يعود هذا التداخل وذلك التجلّي إلى أنّ جميع هؤلاء الأعلام قد عاصروا زمناً واحداً، فكان من الطبيعي أن يعبّروا عن آراء أو توجّهات متقاربة؛ بل يعود الأمر أساساً إلى أنّ الثقافة العربيّة كانت تعبّر عن حيرة أو قلق، على حدّ التعبير الدقيق للمتنبّي، في كيفيّة مواجهة الأخطار من جهة، وفي كيفيّة تحقيق الذات مرّة أخرى من جهة ثانية، وقد عبّرت الأسطورة الدينيّة عن هذا القلق من خلال احتفائها بالاختلاف مع العمل على الاستفادة منه.

لئن حافظ الجبل والكهف على الدلالة على السلطان، فقد حافظت الهند، وهي أحد الأماكن التي نزل فيها آدم، على صورة الجنّة خصوصاً عند أهل السنّة وعند الإسماعيليّة

ويكشف المخلبي الاختلاف بين أهل السنّة أوّلاً، وبينهم وبين الشيعة بمذهبيها، وبين مذهبي الشيعة هذين في حدّ ذاتهما ثانياً، أموراً من أهمّها: أنّ النصّ الديني قرآناً وسنّةً لم يكن قادراً على توحيد الأطروحات حول ما أَجْمَلَ فيه القول، وأنّه لم يفرز قولاً نهائيّاً إلا عند المذهب الإسماعيلي بعد انقسام المذهب إلى مستعلية ونزاريّة؛ إذ تتكرّر الأفكار عينها في كتابات المذهب عبر التاريخ دون إضافات تذكر؛ بل إنّ التأويلات من الاختلاف والتباين حدّ التناقض أحياناً حول المواقف من الجنّة والخطيئة والإمامة بين السنّة والمذهب الإسماعيلي. ولا يعود ذلك إلى عجز في النصّ الديني، أو عجز في قدرة أعلام مدوّنتنا عن الإتيان بالقول الفصل في الأمر، ودفع الأمة إلى الاستقرار على ذلك القول؛ ولقد سعى بعضهم إلى ذلك فعلاً مثل ابن كثير ومن قبله ابن تيميّة، وإنما يعود إلى إمبرياليّة الأسطورة الدينيّة؛ ذلك أنّها تندرج ضمن أنواع متفرقة من الخطاب تحدّد لها في أحيان كثيرة وجهتها. 
وتتدرّج هذه الأنواع من أكثر الخطابات جدّيّة وصرامة دينيّة، كالتفسير والفقه، إلى أكثرها انفتاحاً على نوازع النفس أو الحدس الصوفي، كالقصص والعرفان، وتوزّعها ذاك مكّنها من أن تبرّر بعض أحكام الفقه، أو تعلّل بعض الأفكار الكلاميّة أو المقرّرات المذهبيّة من جهة، ومكّنها من أن تحتكم إليها الرغبات المكبوتة الفرديّة والجماعيّة من جهة أخرى.
ويلاحظ المخلبي من تطوّر الحكاية الأسطوريّة "أنّها بدأت في مراحلها الأولى منتمية إلى الخطابات العالمة، فكانت بذلك خاضعة لمنهجيّة التحديث، دون أن يكون هذا الخضوع على الدرجة نفسها عند أعلام المدوّنة، وانتهى بها التطوّر متحرّرة من كلّ قيد غير قيد المتعة وتحقيق الإشباع، سواء تمّ هذا الإشباع أو تلك المتعة ضمن خطاب جادّ "تفسير السيوطي، أو تاريخ العصامي، أو قصص الجزائري"، أم ضمن خطاب قصصي "شعبيّ" شأن "بدائع" الحنفي. وينبغي أن نقرّ أن جدّيّة المبحث الديني في هذه الأسطورة الدينيّة قد ضعفت بشكل كبير لصالح العالم العجائبي، الذي كانت قادرة، ويبدو أنّها هي الوحيدة التي كانت قادرة في المجال الديني الذي يهمّنا، على فتحه واستقصاء جوانبه العميقة. إن ضعف المادّة الدينيّة العلميّة، الذي يظهر في الاكتفاء بالحواشي والمختصرات المطلسمة، قد ترك المجال للخيال لينفتح على عوالم منع منها تحت عناوين متنوّعة كتحريم الخوض في الغيبيّات أو تحريم الاستفادة من أقوال المخالفين في المذهب أو الدين".
ويلفت إلى أن دراسة رموز حكاية آدم، وهو في السماء أفرزت التناقض بين الإرادة والأنس من ناحية، وبين المعارضة والتوحّش من جديد من ناحية أخرى، وأنّ دراسة رموز الحكاية وآدم في الأرض تكشف عن أمرين يحقّقان استراتيجيّة الاختبار الرئيسي، وهي خلافة آدم وبنيه في الأرض. وهذان الأمران هما آثار الخطيئة على الأرض وساكنيها، وما أحدثه آدم ذاته من فعل في حرث الآخرة وحرث الدنيا. ولقد رأينا أنّ للخطيئة آثاراً على الأرض أصابت المكان والحيوان. فقد أدّى سقوط آدم إلى التمييز بين الأمكنة في الأرض، فظهرت أمكنة تميّزت بميزة موجبة بسبب نزول آدم أو حوّاء فيها، وظهرت أمكنة تميّزت بميزة سالبة بسبب هبوط إبليس في أحدها، والحيّة في الآخر، والطاووس في الثالث. ولقد تردّدت حركة آدم وزوجه بين الجبل والكهف وكلاهما مرتبط، بالسلطان، فهما يعوّضان في الأرض ما كانت تدلّ عليه حزمة الرموز الدالّة على السلطان في السماء. 
ولئن حافظ الجبل والكهف على الدلالة على السلطان، فقد حافظت الهند، وهي أحد الأماكن التي نزل فيها آدم، على صورة الجنّة خصوصاً عند أهل السنّة وعند الإسماعيليّة. لقد حوّل هبوط آدم إلى الأرض من كائن غفل متشابه لا شيء يميّز بعضه عن بعض، إلى كائن متعدّد بفضل ما أُحْدِثَت فيه من تغييرات، وهو ما أنبأ، منذ الفعل الأوّل لآدم في الأرض، بأنّها ستتحوّل إلى كائن حيّ.
ويرى المخلبي أن أوّل معالم التغيير الذي يحدثه آدم بناء البيت الحرام أو المساهمة في بنائه، وسيقوم هذا البناء بإظهار قداسة المكان التي كانت مخفيّة، وبضبط طقوس العبادة التي ستمثّل العهد الجديد مع الخالق الذي سيعوّض عهد الامتناع عن الشجرة الذي كان في الجنّة. وأنّ وظيفة هذا البناء كانت من أجل استعادة التواصل بين آدم وعالم الجنة السماوي، فالبيت يعوّض بشكل ما الجبل الذي رأينا دلالته على سلطان آدم. إنّ البيت هو بشكل ما دليل على قدرة هذا الذي أريد له أن يكون خليفة على أن يقوم بأعباء الخلافة. وإلى جانب حرث الآخرة الذي تمثّله العبادة والحجّ خاصّةً نجد ثاني معالم التغيير الذي سيحدثه آدم وهو حرث الدنيا عبر الزراعة، من جهة، وتعمير الأرض بالأبناء، من جهة ثانية. وأنّ أغلب الرموز التي ارتبطت بهذا الفعل كانت رموزاً سماويّة أرضيّة في آن واحد كالثور والنار والدم. وذلك لتدعيم التواصل الذي يمثّله آدم من خلال فعله بين الأرض والجنّة على أساس أنّ الفعل في الأرض يخرجها من بوارها إلى خصبها وخضرتها، فيجعلها جنّته الأرضيّة، وعلى أساس أنّ الفعل في الأرض، بمقتضى العهد الجديد، يعيد صاحبه إلى الجنة السماويّة التي أطرد منها.