عمالقة وأقزام

في لقاء جمعني مع بعض المثقفين المصريين كان الحديث عن الصحافة، وتاريخها الزاهي في خدمة الأمة والدفاع عن قضاياها الوطنية في مختلف حقب التاريخ، وأهمية دورها كمرشد لقراءة المستقبل. لكن تداعيات الحوار نقلت الحديث إلى أوضاعها الراهنة، وذلك أمر طبيعي في منطقة وزمن يجعلان النأي عنها، من قبل المثقفين والمهتمين بالشأن العام، أمرا أقرب إلى المستحيل.

فأينما تولي وجهك اليوم سوف تجد أمامك مواقف وتصرفات وسياسات تتناقض مع العقل والمنطق والمصلحة، ومع المعطيات والوقائع، ومع كثير مما استقر عقلياً ومنطقياً، على أنه مسلمات أو بديهيات. تجد نفسك أمام تضخيم وتقزيم، وأمام أقزام جعلهم "الفوتوشوب" بصورة عمالقة، وعمالقة حولتهم الأبواق الإعلامية إلى "أقزام"، أو أسدلت عليهم ستائر النسيان. تجد نفسك أمام اتهامات من كل نوع، وخلط وشذوذ، يتجاوزان كل منطق حكيم ورأي سديد، وأمام لصوص وقتلة وفاسدين وخونة وإمعات ومواهب متهالكة رفعتها الدعاية، إلى مراتب المواهب الفذة، وإلى مواقع من يصدرون الأحكام القاطعة على الأفعال والأشخاص، وبالالحاح والتكرار صار ما لا يُقبل، مقبولاً والسلام!

ونحن نرى أن هذه الأزمة، أو المشكلة بمعنى أدق، أصابت الكثير من أسس وثوابت الحكم، والقيم، في معظم مجالات حياتنا المعاصرة. فمثلا أصبح ارتفاع الصوت بغير حق، وجرأة الادعاء وكثرة الافتراء، وإقدام الضالين على قيادة الناس في مسارات يقولون إنها "الهداية"، وقول من يقول "إنه المبتدأ، والمنتهى"، مؤيَّداً من بعض الكتبة ونافخي الأبواق، ومن المجموعات التي تروج بتبعية أو بأمر، لهذا الطرف أو ذاك، هذا الحزب أو ذاك، هذا الكاتب أو ذاك، هذا الداعية أو ذاك.. إلخ، لقد أصبح هذا منهج مجتمع، بل سمة من سمات زمننا، ونعيب زماننا والعيب فينا "أكمل".

وبطبيعة الحال قد لا يعطي هذا أية بارقة أمل في إمكانية الخروج من أتون المحنة والفتنة العربية اللتين حصدتا أرواحنا. وليس قليل ما نحن فيه من أحوال هي الكوارث الأهوال، بسببٍ مما كان، ومما هو كائن حتى الآن، وممن يريدون رسم مستقبل مديد على ذلك المنوال.

والحقيقة التي لا جدال فيها أننا بتنا في أمس الحاجة إلى أن نخرج من حالة البؤس هذه، إلى حال ينتهي معها القتل، والإرهاب، والتعصب، والتطرف، واليأس، والبؤس، وننتهي من تعصب يتجاوز حقائق الدين، وحقيقة "أننا جميعاً مسلمون، أو أننا ينبغي أن نكون كذلك"، فنتخلق بأخلاق الإسلام، ونحقن دماء المسلمين وغير المسلمين، ونعيش أحراراً متساوين، ونتخلص ممن يرى أنه، وفق ادعاء من يدعي، أنه الفرقة الناجية، وأن الآخرين هم الضلال والنار.

لا يعنينا هنا أن ندلي بدلونا في موضوع قانون مكافحة الإرهاب ومدى تأثيره الضار على مصر، داخليا وخارجيا، استناداً إلى أن حالة السلامة العامة قد تحد من تلف البيئة، وتضع حداً لمن يتلفها. بل نتكلم عمن يرفع راية الوطنية والقومية والدين، والانتماء للأمة العربية في تاريخها وهويتها، ولمن تعايش ويتعايش معها عبر التاريخ، وللحرية والكرامة والعدالة والسيادة و.. إلخ، وعمن يكفّر الآخرين باسم الدين والوطن، ظناً منه أنه الدين والوطن، ومن يكفِّره الآخرون باسم الدين والوطن، ظناً منه أنه الدين والوطن أيضاً.

ونحن نقول ذلك بعد أن رفعت أسماء وشخصيات ممن لا يستحقون التلمذة الأولية على من يمثلون نموذجاً وقدوة في السياسة والحكم والرأي والأدب والفن، والنقد الذي يستند إلى معرفة ومنهج وخُلُق وأدوات، واحترام للآخر وللذات، وقد قادنا ذلك الذي كان إلى حصاد هذا الزمان بمراراته ومآسيه، الموسومة بالدم والموت والدمار والعار.