عمَّان تتأرجح بين الحداثة والتراث

عايدة النجار توقع كتابها "عمّان بين الغزل والعمل" في منتدى عبدالحميد شومان الثقافي.


قصص الناس ومذكراتهم والسير الذاتية والمشاهدات، تعبر عن مكنونات إنسانية في أي مجتمع


السعافين: الكاتبة تلحّ على ذاكرة المكان التي تتعرض كل يومٍ للمحو والطمس


النمري: الكتاب سيساعد الباحثين كثيرًا على معرفة مجتمع عمان في مرحلة البدايات ومرحلة الحداثة بين الخمسينيات والستينيات

عمّان ـ وقعت الكاتبة الدكتورة عايدة النجار، مساء الاثنين، في منتدى عبدالحميد شومان الثقافي، كتابها "عمّان بين الغزل والعمل"، الصادر عن دار السلوى للدراسات والنشر، وسط حضور جمع من الكتاب والنقاد والمهتمين.
وبينت النجار في الحفل الذي شارك فيه الناقد الدكتور إبراهيم السعافين والكاتب الصحفي جميل النمري، وأدارته الرئيسة التنفيذية لمؤسسة شومان فالنتينا قسيسية، نيابة عن الدكتور عدنان بدران، أن "عمان بين الغزل والعمل"، هو الكتاب السادس الذي أحتفي به منذ العام 2005.
وحسب النجار، فإن قصص الناس ومذكراتهم والسير الذاتية والمشاهدات، تعبر عادة عن مكنونات إنسانية في أي مجتمع، فالحكايات والأحلام تصور المكان الذي يعيش فيه الإنسان صانعها بما فيها من حضارة تربط الماضي بالحاضرة ونستشرف المستقبل.  
وتابعت "أعود اليوم لعمان القديمة/ الجديدة بسعادة لأتحسس التحولات لذلك الواقع الذي تأثر بعوامل اجتماعية وثقافية وسياسية لها خصوصيتها يختلف بعضها أو جلها عن المحطات اللاحقة، وكنت فيها من الشاهدين على الحركة والحياة مع غيري من ناس (عمان العصرية)". 
ووقفت النجار على التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أثرت وتأثرت بها المرأة الأردنية منذ الستينيات، وهي حسب الكاتبة، تغيرات كبيرة حصلت في عمان، لتظل صورا لعمان التي ما تزال تتأرجح بين الحداثة والتراث في زمن التكنولوجيا ووسائل الاتصال. 

قسيسية: أخذت الدكتورة النجار على عاتقها مهمة تعريف الأجيال الحالية على الشخصيات التي كان لها بصمتها الخاصة في الحياة العامة

ونوهت إلى أن كتاب "عمان بين الغزل والعمل"، ليس كتاب تاريخ كما يفعل المؤرخون المتخصصون، وإنما هو تأريخ اجتماعي بما فيه من مكونات ومحطات تاريخية، لافتة إلى أن سعادتها أصبحت لا تكتمل إلا بالكتابة، خصوصا بعد أن أصبحت الكتابة جزءا من فكرها وسلوكها الاجتماعي. 
وقال الدكتور السعافين في كلمة له، إن كتاب النجار "بنات عمّان بين الغزل والعمل" يأتي استكمالاً لكتابها السابق "بنات عمّان أيام زمان- ذاكرة المدرسة والطّريق"، التي تناولت فيه ذاكرة المدرسة ومجتمعها في الخمسينيات.
واعتبر السعافين أن الكاتبة في هذا الكتاب، كما في سابقه، تلحّ على ذاكرة المكان التي تتعرض كل يومٍ للمحو والطمس، مع توغل الجشع المادي، مقابل البعد الروحي الجمالي الطاغي على فكر الدكتورة النّجار ومشاعرها، فذاكرة الإنسان مرادفة لحياته وأي اعتداء على المكان وملامحه وتفصيلاته هو اعتداء على الذّاكرة واعتداء على الحياة.
ورأى السعافين أن قيمة هذا الكتاب والكتاب الذي سبقه والكتب الأخرى مثل "لفتا يا أصيلة" بتأريخ الحياة الاجتماعية التي تندرج في سياق التاريخ الاجتماعي أو علم اجتماع التاريخ الذي يستنبط الظواهر الاجتماعية من خلال الدراسة الميدانية للمجتمع وتحولاته على ضوء تحوّلات الزّمان والمكان.
وبحسبه، فإن النجار زاوجت بين منهج علمي صارم قوامه المنهج الوصفي القائم على البحث الميداني والعينات والمقابلات وتدوين الملاحظات والآراء من فئات عمريّةٍ مختلفة، وبين إحساسٍ طاغٍ تجاه المكان، إلى جانب أنها تجنبت المنهج المعياري ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، فلم تقدّم المعيار الذي تحاكم به التحوّلات الاجتماعيّة أو تصرّفات النّاس".
ووفق منظور السعافين، فإن الكتاب لم يتطرق للفوارق الاجتماعية والمعيشية بين الناس، لكنه تحدث عن طبقة برجوازيّة أقرب إلى الأرستقراطيّة بمعيار ذلك الزّمان، وهو زمان مختلف تمارس بنتان من بنات رئيس الحكومة آنذاك مهنة التعليم وتنشأ بين رموز العائلة المالكة وقاطني المكان علاقات اجتماعية وإنسانية.
وذهب السعافين إلى أن الكتاب لم يتطرق إلى الجوانب السياسية، إلا بإشارات قليلة لها مناسبتها في الخمسينيات، وإن تحدثت عن نشاط المرأة السياسي في مرحلة لاحقة، وهو كما يبدو لي أمرٌ مقصود لأنها خصصت الكتاب أصلاً لتطور حياة المرأة التي خرجت من عباءة التقاليد التي قيّدتها في المهنة والسّلوك وطرائق التفكير إلى امرأة تدخل شتّى المجالات بقوة.
من جهته، أبدى النمري سعادته بطروحات كتاب النجار، مبينًا أن النجار استطاعت الكتابة بأسلوب "نوستالجي" مفعم بالصور الحية من واقع المعايشة لحقبة من الزمن ومن جانب معين للمشهد.
واعتبر النمري أن الكتاب سيساعد الباحثين كثيرًا على معرفة مجتمع عمان في مرحلة البدايات ومرحلة الحداثة بين الخمسينيات والستينيات، وهي ليست بعيدة في الواقع عن أجواء مدن المملكة المختلفة حيث كان التلهف لمواكبة العصرنة والانبهار بصورة الغرب والتقدم العلمي والصناعة الاستهلاكية والموضة والتفتح على العلم والثقافة.

ولفت النمري إلى أن البيوت التي تصفها الكاتبة بأناقتها المعتقة بالطرازات الشامية والمصرية وغيرها نادرا ما وجدت خارج عمان، كما أن الكتاب يزودنا بتوثيق بالصور للعديد من تلك البيوت وأصحابها. 
ولاحظ النمري أن النجار انتقلت في إضافة غير مبررة عندما تتناول موضوعا معينا تستطرد في الحديث عنه كقضية راهنة توصيفا لها واستعراضا للآراء حوله أو باقتباس بعض ما كتب حوله؛ فمثلا بعد الحديث عن شراء شعر البنات أو غزل البنات في الخمسينيات من الباعة المتجولين تستطرد في الحديث عن شعر البنات والغزل بالشعر وصولا إلى الحديث عن عهد التميمي وما اكتسبه شعرها الأشقر من رمزية نضالية.
وقال النمري "لو كان لي أن اقترح بأثر رجعي، لاقترحت أن يستغني الكتاب عن الاستطرادات غير ذات الصلة بالفكرة الجوهرية للكتاب في المواضيع المختلفة، وأيضًا التوصيفات لمظاهر الحياة الراهنة في عمان في غير سياق توصيف، أو رصد التحول الذي حدث، إذ لا يضيف ذلك شيئًا لمعلومات القارئ ومعرفته بما يدور حوله، ما يعني ذلك اختصار ثلث الكتاب".
بدورها، قالت قسيسية في معرض تقديمها للحفل "أخذت الدكتورة النجار على عاتقها مهمة تعريف الأجيال الحالية على الشخصيات التي كان لها بصمتها الخاصة في الحياة العامة، خصوصاً في مدينة صغيرة مثل عمان التي سارت بخطىً واثقةً من بلدة كبيرة باتجاه أن تكون مدينة تتشابك فيها الأحداث، لتخلق أنماطاً جديدةً من العلاقات".
وتابعت "منذ كتاب بنات عمان أيام زمان، دأبت النجار في محاولة جادة، لأن تخلد ذاكرة تلك المرحلة، إلا أن شغف الناس في قراءته من الجيل القديم والجديد، شجع الدكتورة لإصدار كتابها الثاني عن عمان المدينة والإنسان وتحولاتها الاجتماعية، ليحكي قصة تطور عمان، وحياة الإنسان بين الأمس واليوم".
ود. عايدة النجار، من مواليد قرية لفتا في القدس، تحمل درجة الدكتوراه في وسائل الاتصال الجماهيري من جامعة سيراكيوز بنيويورك في الولايات المتحدة، ولها خبرة واسعة في العمل الاجتماعي والتنموي والثقافي، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. صدر لها العديد من الكتب حول الإعلام والتاريخ الاجتماعي، إضافة إلى القصص.