عندما انقض الخميني على كبار مراجع المذهب!

بقلم: نبيل حيدري
التلميذ الخميني والأستاذ شريعتمداري ... جزاء سنمار

يعتبر السيد محمد كاظم شريعتمدارى من المراجع الكبار المعروفين فى تاريخ إيران المعاصر، وكان له شعبية وتقليد كبيران فى إيران والهند وباكستان والخليج العربى وغيرها. ولد شريعتمدارى فى مدينة تبريز العام 1322 هـ، من عائلة تنتسب شجرتها التاريخية إلى الإمام على بن الحسين بن على بن أبى طالب، زين العابدين. درس شريعتمدارى الدراسات الدينية الحوزوية من المقدمات والسطوح فى مدينته تبريز لينتقل بعدها إلى قم العام 1343 فيدرس البحث الخارج على يد المرجع عبد الكريم الحائرى اليزدى (ت 1937). ثم انتقل شريعتمدارى إلى النجف ليحضر أبحاث المراجع: أبى الحسن الأصفهانى (ت 1946) وضياء الدين العراقى (ت 1361 هـ) ومحمد حسن النائينى (ت1936). ومن ثمّ دعى إلى مدينته تبريز فرجع مرجعا فقيها يدرّس البحث الخارج فى علمى الفقه والأصول.

ثم دعى إلى قم من المرجعية العليا حسين البروجردى كمستشار له وللتدريس في قم بعد أن ذاع صيته فاستجاب لذلك اعام 1369 هـ، كعلم بارز من المراجع وتقريراته التى بدأ يدوّنها أبرز تلامذته فى الفقه والأصول وتكون مرجعا لمريديه الكثيرين. بعد وفاة البروجردى العام 1961 برزت مرجعية شريعتمدارى وتقليده فى ضمن المرجعيات العليا فى إيران؛ وبدأ الكثير يحضرون دروسه ومنهم الخمينى ورضا زنجانى وموسوى زنجانى ورضا الصدر وجعفر السبحانى وعشرات غيرهم.

كان لشريعتمدارى دور سياسي واجتماعي معروف، أسّس "دار التبليغ" وهى مؤسسة عظيمة كبيرة للتبليغ والإرشاد والتأليف ونشر الفكر وكان من أبرز وجوهها تلميذه جعفر السبحانى، وبعد الثورة أسس حزب "حزب جمهورى خلق مسلمان إيران". كان الخمينى (ت 1989) أحد الطلاب لدى البروجردى ثم عند شريعتمدارى بعد وفاة الأول، ولم يكن الخمينى مجتهداً وبرز فى التصدى لشاه إيران محمد رضا بهلوى كالكثير من العلماء والشباب والحركات الإسلامية والشيوعية (خصوصا حزب تودة) والقومية. وفى أحداث 15 خرداد والتظاهرات العارمة كان للخمينى وخطاباته دور مهمّ، ممّا أدى إلى اعتقاله وسجنه، وكان فى ضمن المشروطة (عدم محاكمة المجتهدين ومراجع التقليد). هنا جاءت مساعدة شريعتمدارى ورأيه باعتبار الخمينى مجتهداً، لإنقاذه من الإعدام المحتم وحبل المشنقة، وهكذا استطاع أن ينقذه رغم شكوك الكثيرين من الفقهاء آنذاك بوصول الخمينى إلى رتبة الإجتهاد وقدرته على استنباط الأحكام الشرعية من منابعها الفقهية.

فكان القرار سياسيا بامتياز لإنقاذه من الإعدام ولم يكن مبنيا على أسس فقهية كمتا ظهر لاحقا

فعلاً تم تحرير الخمينى من الإعدام بينما أعدم الكثيرون. هكذا خرج الخمينى سالما إلى تركيا ثم العراق والنجف خصوصا، لأربعة عشر عاماً، ثم لاحقا فرنسا لفترة وجيزة ليرجع الخمينى إلى طهران ثم يخرج الشاه نفسه، ثم يصير الخمينى حاكما فى إيران وبمبدأ جديد هو ولاية الفقيه خصوصا المبدأ 110 فى الدستور الإيرانى لتشريع ولاية الفقيه وحاكميته وسلطاته المطلقة. كان أكثر الفقهاء ومنهم شريعتمدارى معارضين لهذا المبدأ بسبب ضعف أدلته الفقهية كما قال مرتضى الأنصارى (دونه خرط القتاد) فى مكاسبه.

رفعت إيران شعار "الموت لأعداء ولاية الفقيه"، واتهم المراجع المخالفين بالارتباط بالاستعمار، وباتوا تحت الإقامة الجبرية، وعلى رأسهم شريعتمدارى نفسه المتهم ظلما فى قضية صادق قطب زادة الذى أعدم باتهام الانقلاب على الثورة مع آخرين وجاء الحرس الثورى، وألقى القبض على شريعتمدارى، وأظهره للإعلام بشكل مهين ثم أصدرت جامعة مدرين الحوزة المعينة من السلطة حكما بسحب مرجعية شريعتمدارى واتهامه بأنه مخالف لولاية الفقيه.

تمت مصادرة جميع مؤسساته ومنها "دار التبليغ" وتحويلها إلى "دفتر تبليغات إسلامى" الحكومي، وتم مصادرة أمواله واضطهاد مريديه بين القتل والتشريد والسجون. بقى شريعتمدارى تحت الإقامة الجبرية وهو يعانى من السرطان الكليوى الذى مات بشكل غريب مثير للتساؤل، فقد منع تشييعه كما منع تلميذه البار السيد رضا الصدر (أخو موسى الصدر) من الصلاة عليه خلافا للشرع ولوصية المرحوم الخاصة؛ وتم اعتقاله وسجنه، وهكذا دفن شريعتمدارى سراً ليلا السنة 1406 هـ، من قبل الحرس الثورى الإيرانى فى مقبرة بعيدة عن مقام معصومة، وفى مكان غير مناسب زيادة فى إهانته رغم الملايين المقلدين له، ثم منعوا إقامة الفواتح ومجالس العزاء على موته تماما

فى مذكرات حسين على منتظرى، نائب ولى الفقيه والمنظّر لولاية الفقيه سابقاً ثم المتراجع عنها تماما باعتبارها استبدادا ودكتاتورية؛ ذكر أن التهم المنسوبة لقضية قطب زادة وشريعتمدارى كلها غير سليمة وغير صادقة؛ وتم تلفيقها لأغراض سياسية وقام منتظرى بزيارة شريعتمدارى فى إقامته الجبرية متحديا سلطة ولاية الفقيه، ولكن منتظرى بات لاحقا هو أيضا تحت الإقامة الجبرية وتم إعدام مهدى هاشمى القريب منه ومسؤول مكتبه فى حركات التحرر حتى مات بطريقة غريبة مهينة رغم كونه من أهم رجالات صنع الثورة.

كان الكثير من الفقهاء المخالفين لمبدأ ولاية الفقيه تحت الإقامة الجبرية مثل شريعتمدارى وقمى وروحانى وشيرازى ومامقانى ومنتظرى والكرمى والخاقانى حتى مات الكثير منهم بطرق غامضة غريبة يعتقد الكثيرون بالسم وأمثاله

هكذا كان استبداد ولاية الفقيه وجزاء الخمينى لفقيه كبير أعلم منه بكثير وهو الذى أنقذه من الإعدام، علما أن الله تعالى يقول: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"، وهى قضية أخلاقية لمن كان يمتلك الأخلاق والقيم.

نبيل الحيدري