عندما يؤكد ادغار موران 'لا أحد يولد إرهابيا'...

عندما يجمع اللقاء المفكر والجامعي والباحث عبدالمجيد الشرفي بالمفكر والفيلسوف الفرنسي ادغار موران فان الأكيد أن في اللقاء ما يستحق المواكبة وأن التنافس سيكون بين الأفكار التي تسقط معها كل التابوهات وتفتح المجال الرحب للحوار بشأن القضايا الأكثر حساسية والأكثر حضورا اليوم في المشهد الإعلامي لا سيما الإرهاب العابر للحدود والذي تمتد يده لتروع الشعوب في الشرق والغرب.

الموعد صباح السبت تحت قبة بيت الحكمة بضاحية قرطاج. كان الحضور لافتا. جامعيون سياسيون أكاديميون ديبلوماسيون اعلاميون تسابقوا الى القاعة لحجز مكان استعدادا لمواكبة اللقاء الذي اضطر الكثيرون لمتابعته وقوفا بعد أن ضاقت القاعة بالضيوف الذين اختاروا ان تكون وجهتهم الى بيت الحكمة لمتابعة الحلقة الأولى من سلسلة محاضرات لقاءات قرطاج التي ستجمع مفكرين من مختلف دول العالم في اطار مبادرة لرئاسة الجمهورية لاعتماد الثقافة كسلاح في مواجهة الإرهاب.

لعل السؤال الأكثر الحاحا الذي يعتريك طوال الندوة كيف يمكن لذلك الحوار أن يخرق الاسوار العالية لقصر بيت الحكمة وكيف يمكن أن تبلغ تلك المبارزة الثقافية الى كل الشباب بمختلف انتماءاته الاجتماعية والثقافية والسياسية. الاكيد أن الامر لا يتعلق باقناع الحضور من النخبة التي واكبت اللقاء بخطر الإرهاب المتفاقم ولكن وهنا مربط الفرس بكيفية رد الخطر وانقاذ جيل من الشباب من الضياع والبحث عن الحلول الانتحارية بحثا عن الجنة الموعودة.

"الفكر في مواجهة العنف" عنوان اللقاء المشتركين بين باحثين ينتميان لعالمين مختلفين: عبدالمجيد الشرفي التونسي، وادغار موران الفرنسي. استهدف الإرهاب الاعمى بلديهما وكان لكل منهما موقف ورأي في كيفية مكافحة ظاهرة الإرهاب ولكنهما يلتقيان حول الكثير من الدوافع والأسباب التي كانت ولا تزال وراء تفاقم الظاهرة التي باتت تستهدف كل شعوب العالم بفقرائه وأغنيائه. من الأسباب الخارجية، بدءا بتداعيات ارث الاحتلال وفشل سياسة الاندماج الاجتماعي التي حولت احياء المهاجرين الى قنابل موقوتة، وصولا الى الأسباب المحلية من فساد وظلم واستبداد وانهيار للقيم العائلية والاجتماعية والبرامج التربوية، تكاملت الآراء بين كل من الباحث التونسي عبدالمجيد الشرفي والفرنسي ادغار موران في محاولة قراءة الأسباب والدوافع الكامنة وراء ظاهرة الإرهاب بين الشباب.

الفيلسوف الفرنسي ادغار موران اعتبر أن هناك بربرية تجتاح العالم، وان السؤال اليوم كيف نتصدى لذلك. وقال موران أنه لا بد بداية من معرفة هؤلاء المتطرفين، فلا أحد يولد إرهابيا. واعتبر أن أسبابا كثيرة وراء هذا التحول وأسباب قائمة في الدول العربية والأوروبية وهي تبدأ من الظروف الاجتماعية وانعدام العدالة والظلم الى الإحساس بالاهانة وعدم الإحساس بالاندماج في المجتمعات التي ينتمون لها.

موران يقول "انه عندما يغيب الحوار وتنطفئ نور الحكمة فاننا نصل حتما الى الهذيان". ويقول أن المتطرف يعتقد دوما انه على حق وانه وحده من يمتلك الحقيقة، من باتاكلان باريس الى بروكسيل وقبل ذلك تونس وانقرة واسطنبول وسوريا والعراق يعود السؤال في كل مرة كيف يمكن التصدي لذلك.

التعليم سلاح أساسي وهو أول الأسلحة المطلوبة للتصدي للارهاب. نعم هناك مشكلة في نظام التعليم الذي يتلقاه ابناؤنا فهم غير محصنين ولا يتعلمون الفكر النقدي.

الشرط الثاني المطلوب في مواجهة الإرهاب موجود في كل مواطن وهو بالتأكيد التضامن المطلوب في مواجهة البربرية. هناك حاجة اليوم لتطويق كل الأسباب التي تغذي هذا الشر ومن هنا أهمية التساؤل ان كان بالإمكان احياء الامل وربما دفع هؤلاء للتوبة والإقرار بالخطأ كما حدث مع الكثير من الحركات المتطرفة التي ظهرت في أوروبا التي لم يعد أحد يسمع عنها اليوم.

الجامعي عبدالمجيد الشرفي المدير الحالي لبيت الحكمة الذي يخلف الدكتور هشام جعيط في هذا المنصب يقول أن الطاغي اليوم أن الشباب يمارس العنف باسم الإسلام وان العنف الذي تعاني منه تونس وغيرها من الدول له أسباب عائلية وأخرى خاصة مشيرا الى ان موروثنا المشترك يجمع الانفتاح والاعتدال كما يجمع العنف والتطرف في ان واحد بمعنى ان الظاهرتين قائميتان وان ثقافة مهدوية - نسبة للمهدي – تتطلع الى عودة المسيح الذي سيملأ الأرض عدلا بعد ان ملئت جورا. هذه الثقافة حسب الشرفي ستنتج امرا قلما ننتبه اليه وهو أمر دخيل على الثقافة الإسلامية وهو المزايدة على الإسلام. وهنا من يمنح نفسه الحكم على غيره بانه اقل إسلامية.

الخوف من الاختلاف لانه يؤدي الى الفتنة خطأ، بحسب الشرفي، من شأنه طمس الشخصية المستقلة وبث الشعور بالذنب لدى من يخالف ما هو سائد في المجتمع.

ما هو اصل ل المشكلة؟ لا شك ان هناك ظروف اقتصادية واجتماعية وراء ظاهرة متشعبة لا تقبل التبسيط. ومن هنا اعتبار الشرفي أن الثقافة لها دورها في مواجهة الإرهاب ولكنها غير كافية فالى جانب ذلك هناك عوامل أخرى تبدأ من الاسرة والمدرسة والشارع والخطاب الإسلامي العام. المحاكاة دافع أيضا، يقول الشرفي، فالذين يقعون في الفكر الإرهابي مقلدون لمن يعتبرونه أقوى أو على الطريق الاسلم وهذا التقليد تبثه وسائل لا تملكها الا القوى التي من مصلحتها ان يسود هذا التقليد ولا تنفتح على الاخر والخروج من المحاكاة في يقتضي الانخراط في العصر بما يقتضيه من ثقافة الاستقلال بالشخصية والاعتداد بالنفس وعدم قبول وصاية من أي كان.

سلطة الخبر

جهة العلم في الثقافة القديمة تقوم على الخبر والثقة في هذا الخبر باعتبار أن جهة العلم الخبر حسب الشافعي بما يجعل الذين يقعون في براثن العنف تحت سلطة الخبر بمعنى اننا إزاء جيل تربى على ما قاله ابن تيمية وغيره وهو ما يفترض أيضا ان ما نتعلمه ينبغي تمحيصه وتفكيكه ونقده. الاتفاق والاختلال قائم بين السنة والشيعة فهناك ما يتفقون حوله وهناك ما يختلفون عليه. ويخلص الشرفي الى ان السنة هي الطريقة التي عالج بها الرسول قضايا عصره التي اعترضته وهذا ما ينبغي فهمه. و يستند الى قول الامام علي في ان القران لا ينطق بل ينطق به الرجال وكل من يدعي تطبيق النص القراني يطبق تطبيقا خاصا بالقران وهو ما يجب تعريف الشباب به بان هذه التأويلات ليست مجانية وان الظروف اقتضت ان تسير في اتجاه معين وان هناك دوما مجال لتأويل اخر دون التشبث بحرفية النص وانه اذا وضعنا النص في سياقه نكون ساعدنا الشباب على ان يتجاوز هذا الخطاب الذي يتم المزايدة به على الإسلام وتفكيك القنابل الموقوتة التي تترصدنا وهي أمور قد تبدو نظيرة في مجملها تتطلب بحوثا علمية ليست دوما متوفرة ولكن لا بد من توفير الأجوبة المطلوبة ومن ذلك تكوين المعلمين. فالعنف يقول الشرفي ظاهرة انتروبولوجية لازمت الانسان عبر التاريخ وانه من اهم اخفاق الحضارات الحديثة انها لم تولِ مسالة العنف الأهمية لا في سياق الدول ولا في سياق السلوك العام.

الأكيد أن المسألة تحتاج أكثر من لقاء اشبه بالمناظرة بين مفكر عربي ملم بقضايا مجتمعه وقضايا العالم العربي والإسلامي ومفكر فرنسي تعمق في الفكر الفلسفي وفي القضايا الدولية وجذور الإرهاب منذ اعلن الرئيس الأميركي جورج بوش عبارته الشهيرة بانه يقود حربا ضد قوى الشر سرعان ما تحولت الى تدمير ممنهج وفوضى امتدت عدواها الى كل المنطقة بعد أن كان الاعتقاد السائد في الغرب أن سموم الإرهاب والإرهابيين لن تمتد اليهم.