عون والشرع يناقشان ملفات الحدود والنازحين والموقوفين

التركيز بات ينصب على خلق بيئة حوار دائمة بين لبنان وسوريا تقوم على أسس واضحة من المصالح المشتركة، خاصة في ظل حاجة البلدين لتعزيز قدراتهما الاقتصادية وفتح أسواق جديدة أمام الاستثمارات والتبادل التجاري.

بيروت - عقد الرئيس اللبناني جوزيف عون اجتماعًا موسعًا مع نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة الإسلامية الطارئة في الدوحة جرى خلاله بحث سلسلة من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية ذات الاهتمام المشترك، وذلك في ضوء ما وصفه مراقبون بـ"رغبة حقيقية لدى الجانبين في فتح صفحة جديدة تقوم على التنسيق والمصالح المتبادلة" في تطور لافت يعكس تغيّراً في نبرة العلاقات بين بيروت ودمشق.
ويأتي هذا التحرك بعد سنوات من الجمود والتوتر في بعض المحطات، وفي خضم عودة عشرات الالاف من اللاجئين السوريين الى بلادهم والجدل حول ملف الموقوفين، وتباينات في ملف ترسيم الحدود البحرية. غير أن تصريحات صدرت في الأسابيع الأخيرة عن قادة البلدين كشفت عن استعداد متبادل لتجاوز الخلافات وتكريس واقع جديد أساسه الحوار والتعاون.
وناقش الرئيسان جملة من القضايا العالقة، أبرزها ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، التي تشكّل أولوية اقتصادية وأمنية في المرحلة المقبلة. وفي السياق نفسه، تم التطرق إلى ملف النازحين السوريين في لبنان، حيث عبّر الرئيس الشرع عن ارتياحه إزاء "بدء عودة مجموعات منهم طوعياً"، مشيرًا إلى أهمية استمرار التنسيق لضمان عودة آمنة وكريمة.

أما في ما يتعلق بملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، فقد شدد الطرفان على أهمية تسوية هذا الملف ضمن الأطر القضائية المعمول بها، واتفقا على تفعيل التعاون القضائي عبر لجان مشتركة تتابع هذا الشأن.
وفي خطوة تهدف إلى تحويل النيات السياسية إلى إجراءات عملية، تم الاتفاق على استمرار التواصل بين وزيري خارجية البلدين، وتشكيل لجان مختصة في عدة مجالات، بينها لجنة اقتصادية وأخرى أمنية. كما تم التباحث في مشاريع نقل بحري وتعاون طاقي قد تشكّل رافعة اقتصادية للجانبين في المرحلة المقبلة.
وأكدت مصادر رسمية أن التركيز بات ينصب على خلق بيئة حوار دائمة لا تُختزل في زيارات بروتوكولية، بل تقوم على أسس واضحة من المصالح المشتركة، خاصة في ظل حاجة البلدين لتعزيز قدراتهما الاقتصادية وفتح أسواق جديدة أمام الاستثمارات والتبادل التجاري.
مراقبون اعتبروا أن هذا اللقاء يعكس تحولًا تدريجيًا في العلاقات اللبنانية-السورية، مدفوعًا بجملة من المتغيرات الإقليمية والدولية، إضافة إلى حاجة كلا الطرفين لتبريد جبهات التوتر الداخلية والبحث عن حلفاء مستقرين في محيط غير مستقر.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الرئيسين عون والشرع يتحركان في اتجاه بلورة تفاهمات أوسع، قد تشمل لاحقًا ملفات أكثر حساسية، مثل الأمن الحدودي، التعاون في مكافحة التهريب، وتنسيق المواقف في المحافل الدولية، خصوصًا مع انكشاف هشاشة بعض التحالفات الإقليمية التقليدية.
وفي معرض حديثه، أطلع الرئيس اللبناني نظيره السوري على الاتصالات الجارية لتثبيت الهدوء في الجنوب اللبناني، في ظل التوترات المستمرة مع إسرائيل. وشدد على ضرورة التنبه لمحاولات "زرع الفتنة" التي تقوم بها إسرائيل من خلال اعتداءات متكررة تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة الحدودية.
ورغم ثقل الملفات المطروحة وصعوبتها، إلا أن اللغة السياسية المستخدمة في التصريحات الرسمية توحي بوجود إرادة جديدة في مقاربة العلاقة الثنائية بعيداً عن لغة التصعيد. ويرى مراقبون أن هذه الدينامية، إن كُتب لها الاستمرار، قد تفتح الباب أمام شراكات استراتيجية واعدة، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة وإعادة الإعمار.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات، يبدو أن بيروت ودمشق تستعدان لكتابة فصل جديد في علاقاتهما، يتجاوز حسابات الماضي ويستند إلى منطق المصالح المتبادلة والتنسيق المشترك في ملفات تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد والأمن.