عُمان تعمّق الشراكة مع بغداد بإعفاء من التأشيرات الدبلوماسية
عمان - في خطوة جديدة تؤكد متانة العلاقات العراقية-العُمانية ومسارها المتصاعد خلال السنوات الأخيرة، أصدر سلطان عُمان هيثم بن طارق مرسوماً سلطانيّاً صادق بموجبه على اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرات لحملة الجوازات الدبلوماسية والخاصة وجوازات الخدمة بين بغداد ومسقط.
ورغم أن القرار يبدو في ظاهره إجراءً بروتوكولياً، إلا أنه يحمل في مضمونه رسائل عميقة حول موقع العراق في الحسابات العُمانية واتجاهات السياسة الهادئة التي تعتمدها السلطنة في إعادة بناء جسور التعاون الإقليمي.
والمرسوم، الذي حمل رقم 100/2025، جاء بعد الاطلاع على النظام الأساسي للدولة ومراجعة الاتفاقية الموقعة في مدينة صلالة في سبتمبر 2025، ونصّ على المصادقة الرسمية ونشر القرار في الجريدة الرسمية. لكن القراءة في خلفيات هذا التطور تكشف أن الخطوة ليست معزولة، بل تأتي ضمن حزمة من التفاهمات والتقارب المتنامي بين الدولتين، خصوصاً بعد عودة العراق التدريجية إلى دوره الدبلوماسي منذ عام 2020.
وعُرفت السلطنة تقليدياً بأنها تفضّل العلاقات المتوازنة وتتبنى دبلوماسية تهدف إلى بناء الثقة، وهي رؤية تتقاطع اليوم مع حاجة العراق إلى تنويع شراكاته بعيداً عن الاستقطابات التقليدية في المنطقة. وقد وجدت بغداد في مسقط شريكاً يمكن الاعتماد عليه في مجالات عدّة، من بينها الوساطة الإقليمية، والانفتاح الاقتصادي، وتعزيز قنوات التواصل الأمني.
في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات دفعة مهمة على مستوى تبادل الزيارات الرسمية وتنسيق المواقف في الملفات الإقليمية، لا سيما ما يتعلق بتخفيف التوترات بين إيران ودول الخليج، حيث لعبت بغداد ومسقط أدوارا متكاملة في هذا السياق. كما أبدت الشركات العُمانية رغبة متزايدة في دخول السوق العراقية، خاصة في القطاعات اللوجستية والموانئ والطاقة المتجددة، وهو ما عزز الحاجة إلى تسهيل الحركة الرسمية والدبلوماسية بين البلدين.
وإعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة من التأشيرة يعكس من جهة مستوى الثقة السياسية بين بغداد ومسقط، ومن جهة أخرى إرادة مشتركة لتعميق الحوار المؤسسي وتسريع وتيرة التنسيق بين الوزارات والهيئات العليا في البلدين. ومن شأن هذا التسهيل أن يفتح الباب لاحقاً أمام تفاهمات أوسع تشمل ربما تبسيط حركة رجال الأعمال أو إطلاق مسارات جديدة من التعاون الاقتصادي.
كما يقرأ بعض المراقبين الخطوة في إطار رغبة عُمانية واضحة في دعم استقرار العراق، عبر تعزيز حضوره الدبلوماسي وتشجيع اندماجه في المنظومة الإقليمية بعيداً عن الأزمات المزمنة التي أثّرت على دوره سنوات طويلة. ومن جانب آخر، يمنح العراق هذا التقارب مساحة أوسع للتحرك بين عواصم الخليج بمرونة أكبر، مستفيداً من السياسة العُمانية التي ترفض الاستقطاب وتتبنى الحوار.
في المجمل، يشير المرسوم السلطاني إلى مرحلة جديدة في العلاقات بين بغداد ومسقط، مرحلة تُبنى على الثقة التدريجية، وتفتح الباب أمام تعاون أعمق، اقتصاديًا وسياسياً وأمنياً. وهو تطور يبدو أنه سيشكّل جزءاً من مسار أشمل يعيد صياغة موقع العراق في الخليج، ويعزز دور عُمان كجسر تواصل واستقرار في محيط مضطرب.