غسان زرد يجمع المرئي باللامرئي في 'المذابح'

الفنان اللبناني يقدم في معرضه الفردي الجديد مجموعة من المنحوتات النحاسية واللوحات التي تتأمل في كيفية احتضان الذاكرة للصدمة وكيفية تجسيد فعل البقاء في هيئة فنية.

بيروت - تستضيف فيلا عوده بتنسيق وإشراف مارك معركش المعرض الفردي الجديد للفنان اللبناني غسان زرد تحت عنوان "المذابح" (ALTARS)، ومن خلاله يستعرض الفنان مجموعة جديدة من المنحوتات النحاسية واللوحات التي تتأمل في كيفية احتضان الذاكرة للصدمة وكيفية تجسيد فعل البقاء في هيئة فنية.

وفي هذا المعرض تتقاطع أعمال زرد بين النحت والرسم، حيث تتشكل اللقاءات بين المادة والصورة، بين الحضور والغياب، وبين أثر العنف وإمكانات التسامي.

تخرج منحوتات الفنان اللبناني وكأنها مشدودة من أعماق الأرض، تحمل ملامح بقايا أو آثار، تعلو أسطحها خدوش وندوب كأنها شواهد على ما مرّ بها. أما لوحاته، فتتمدّد نحو الداخل، نحو الخفيّ، لتحوّل السماء والبحر إلى فضاءات قلقة، متوترة، محمّلة بالقوة والصراع والخيال.

ومن هذا الحوار يتبلور المذبح، لا كجسم مقدّس للعبادة، بل كعمارة عابرة، مؤقتة، وبنية للنجاة. ففي عالم زرد يصبح المذبح مكانا تتجمع فيه الشظايا والإيماءات والجروح لتتشكّل كوكبات من مقاومة وتأمل.

داخل قاعات فيلا عوده المكسوّة بالفسيفساء، تتجاوب هذه الأعمال مع ثِقَل النقوش وتعدّد طبقات التاريخ، لتقيم مذابح لا للآلهة بل للصمود، لا للتسامي فحسب بل لفعل الاستمرار الهش.

ويعد "هذا العمل سعي نحو المطلق، كرحلة روحية تنتهي إلى الصمت. وفي هذا المسار، الذي يبدأ برقة ولطف، تشتدّ القسوة مع تراكم الأزمات وتصاعد العنف. إنه مد وجزر دائم بين السكينة وجنون هذا العالم الذي نحيا فيه"، وفق زرد.

يتوزّع المعرض على ثلاثة مراحل مترابطة، لكل منها حضورها الأنطولوجي الخاص: الأولى ترتفع عموديا، لتجسّد العلو كفعل مقاومة وتأمل في آن. الثانية تفتح ممرّا بين قطبين، حيث يتحوّل العبور إلى طقس، وتغدو الأشجار حجّاجا. والثالثة تمتد أفقيا لتجسّد النار كقوة مدمّرة وكاشفة في الوقت نفسه.

معا، ترسم هذه الأعمال طوبوغرافيا للوجود، عمودية، انتقالية، وأفقية، تدعونا إلى التعايش مع الانكسار والذاكرة والتحوّل، مع ترك الباب مشرعا أمام إمكان تخيّل آخر.

ويمثّل المعرض محطة أساسية، إذ يقدّم الفنان منحوتة جديدة هبةً للمجموعة الدائمة في حديقة فيلا عوده. بهذا العمل تنضم قطعة جديدة إلى مجموعة بارزة في الموقع، لتغذّي الحوار بين الإبداع المعاصر وتراث المكان. ويجعل هذا التبرع من رؤية الفنان جزءا من ذاكرة حيّة للفيلا، باقية لجمهور اليوم ولأجيال الغد.

ويستمر معرض "المذابح" الذي افتتح في الثاني والعشرين من سبتمبر/أيلول الجاري بالتعاون مع غاليري تانيت ومؤسسة عوده، حتى الحادي عشر من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ليقدم مساحة يُحاور فيها المرئي مع اللامرئي.

وبدأ غسان زرد، وهو من مواليد عام 1954 ويعيش في بيروت، مسيرته كطبيب أسنان قبل أن يتفرغ للرسم والنحت. منذ سنوات طويلة، يتناول عمله موضوعات العنف والخوف والتجريد، متأثرا بالأدب الياباني وبدراسات التحليل النفسي. عرض أعماله في لبنان وخارجه، منها في غاليري تانيت وفي معارض فنية دولية مرموقة. وتمتد ممارسته المتعددة التخصصات لتشمل الشعر والرسم والنحت.