غضب وسط عمال النفط بليبيا يهدد تعافي الإنتاج

الاحتجاجات العمالية للمطالبة بزيادة في الأجور وتحسين ظروف العمل ووجود دائم للجماعات المسلحة مشهد ينذر بتكرار سيناريوهات سابقة هوت بإنتاج النفط الليبي إلى أدنى مستوى له.



احتجاجات صغيرة في تسعة حقول وموانئ نفطية لكنّها مؤثرة


التضخم وضعف قيمة العملة تسبب في تدهور مستويات المعيشة بليبيا


الوضع الأمني والسياسي يرخي بظلال ثقيلة على صناعة النفط الليبي

طرابلس - سجل إنتاج ليبيا من النفط الخام أعلى مستوى في خمس سنوات ويجري إبرام اتفاقات نادرة للاستكشاف مع شركات نفطية أجنبية كبرى، لكن احتجاجات عمالية ووجودا دائما لمجموعات مسلحة في المشهد يهدد بتكرار تعطيلات كبحت زيادات أخرى في الإنتاج منذ الحرب الأهلية في 2011.

وقال عاملون في المؤسسة الوطنية للنفط المملوكة للدولة إن احتجاجات صغيرة اندلعت في تسعة حقول للنفط والغاز وبعض الموانئ في الأشهر القليلة الماضية، معظمها بين عاملين في انتظار وعود بزيادات الأجور بينما يتسبب التضخم وضعف قيمة العملة في تدهور مستويات المعيشة.

وقال عامل في حقل الانتصار النفطي طلب عدم نشر اسمه لأن المؤسسة الوطنية للنفط تحظر على العمال الحديث إلى وسائل الإعلام "للأسف الشديد نحن حقوقنا مسروقة، نحن جنود مجهولون".

وأضاف "من المفترض أن نكون من أفضل موظفي الدولة الليبية، نعاني من سوء الإقامة في الحقول وكذلك التأمين الصحي ونعاني من تأخر في المرتبات".

ودفعت أفضل فترة استقرار للإنتاج في ليبيا منذ 2013 إنتاج الخام في البلد الواقع في شمال أفريقيا للارتفاع إلى 1.3 مليون برميل يوميا.

وأعادت المؤسسة الوطنية للنفط تشغيل آبار أُغلقت لسنوات مع تحسن الأمن في بعض المناطق، في حين تقول شركات نفط كبرى مثل بي.بي إنها ستحيي خططا للتنقيب طال تأجيلها.

لكن اقتراب الإنتاج من مليون برميل يوميا أو تجاوزه لهذا المستوى يميل إلى أن يكون حافزا نفسيا لمطالب العاملين والمجموعات المسلحة التي تريد أيضا حصة من أرباح النفط.

وفي خريف 2014، تسبب إغلاق حقول نفط وموانئ في انخفاض الإنتاج سريعا بعد أن كان ارتفع إلى أكثر من 800 ألف برميل يوميا.

وفي مايو/أيار، أدت تعطيلات إلى تراجع الإنتاج إلى حوالي 150 ألف برميل يوميا وهو أدنى مستوى منذ الحرب. وقبل عام 2011، كانت ليبيا تنتج نحو 1.6 مليون برميل يوميا.

وبعد سبع سنوات من الإطاحة بمعمر القذافي، يبقى البلد العضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) في خضم صراع بين حكومتين متنافستين ومجموعات مسلحة.

وقالت المؤسسة الوطنية للنفط في بيان إنها تتطلع دوما إلى تحسين أوضاع العاملين فيها وناشدت الحكومة الموافقة على زيادة في الأجور، لكن سنوات من نقص التمويل والدمار الذي أحدثته المجموعات المسلحة تجبر المؤسسة على التركيز على إصلاح الأضرار في البنية التحتية.

وأضافت المؤسسة في بيان أنها تضطر باستمرار لإعادة توجيه الميزانية لإصلاح البنية التحتية الحيوية وهي أموال كان من الممكن أن تُنفق على المنشآت وتحسين ظروف العمل.

وكانت ليبيا يوما أحد أغنى دول أفريقيا، لكن الأوضاع المعيشية للمواطنين العاديين تراجعت مع خسارة العملة المحلية لقيمتها. وانخفض الدينار الليبي في السوق الموازية بما يصل إلى 400 بالمئة مقابل الدولار منذ 2014.

وبسبب الاضطرار لاستيراد حتى السلع الغذائية الأساسية مثل الحليب، قفز التضخم ملحقا الضرر بالعاملين في القطاع النفطي الذين لم تزد رواتبهم منذ عام 2013.

ووافقت السلطات وقتها على زيادة الرواتب بنسبة 67 بالمئة لكن تقلب إيرادات النفط تسبب في عدم تنفيذ هذه الزيادة على الإطلاق.

وتقديرا لقيمته بسبب قربه من الأسواق الأوروبية الرئيسية وجودة الخام، يلقى النفط الليبي طلبا في الآونة الأخيرة كبديل للخام الإيراني المتضرر من العقوبات الأميركية.

وقال مسؤول تنفيذي بقطاع النفط إن جزءا من العمل الفني اللازم للإبقاء على تشغيل حقول النفط والغاز أنجزه شركاء أجانب للمؤسسة الوطنية للنفط وشركات متخصصة في خدمات الحقول.

لكن هناك حاجة لإرضاء العاملين بالمؤسسة الوطنية للنفط لأنهم يشكلون القدر الأكبر من القوة العاملة في القطاع، ويقومون بإدارة موانئ لتصدير النفط وكثيرا ما يعملون وحدهم في حقول نائية حيث يجعل سوء الأوضاع الأمنية شركات النفط الكبرى تتوخى الحذر في إرسال موظفيها.

واحتجاجات العاملين في قطاع النفط محدودة وقصيرة الأمد، لكن مصادر بالقطاع تقول إنه في وجود حكومة ضعيفة في ليبيا، فإن خطوط الأنابيب أحيانا ما يغلقها 20 عاملا أو أقل.

وينظر الكثير من الليبيين إلى المؤسسة الوطنية للنفط التي تجني المليارات من الدولارات سنويا، على أنها بقرة حلوب قد تكون أكثر استجابة لشكاواهم من الدولة الغائبة إلى حد كبير.

الاشتباكات المسلحة تسبب في ضرر كبير بالمنشآت النفطية الليبية
الاشتباكات المسلحة تسبب في ضرر كبير بالمنشآت النفطية الليبية

واستفادت المجموعات المسلحة أيضا من ازدهار نفطي وعبر إجبار الدولة الضعيفة على استئجار رجالها، فإنها تحصل على دولارات رخيصة من البنك المركزي لبيعها في السوق السوداء بسعر أعلى.

وأحدى تلك المجموعات هى حرس المنشآت النفطية، الذين يتولون مسؤولية تأمين المنشآت. وفي سبتمبر/أيلول أوقف بعض أعضاء حرس المنشآت النفطية النقل الجوي إلى حقل الوفاء النفطي وهو ما قالت المؤسسة الوطنية للنفط إنها محاولة لانتزاع عقد "فاسد".

ويحصل العاملون بالمؤسسة الوطنية للنفط على ما بين 800 دينار (205 دولارات) وثلاثة آلاف دينار شهريا وهو ما يزيد عن متوسط راتب الموظف الحكومي، لكن الإحباط يتنامى بسبب غياب الاستثمار في مناطقهم السكنية أو الوحدات الطبية.

وفي سبتمبر/أيلول، طالب عمال النفط في ميناء الزويتينة التابع للمؤسسة الوطنية للنفط بشرق البلاد في خطاب إلى الإدارة بتأمين صحي.

وقالت المؤسسة إنها وافقت على تغطية طبية لجميع العاملين العام الماضي وأصدرت تعليمات إلى شركاتها التابعة بالسير قدما في هذه السياسة بعد أن أوقف مكتب المحاسبات التأمين الصحي في عام 2015.

ويشعر عاملون آخرون بالضجر بسبب الاضطرار إلى العمل في أماكن خطيرة مثل حقل الشرارة النفطي الواقع في عمق جنوب البلاد، حيث يختطف مسلحون العمال أو يسرقونهم.

وقال مهندس وقد بدت عليه علامات الخوف "الوضع الأمني في الحقل سيء جدا".

وهدد رجال قبائل بإغلاق الحقل ما لم يحصلوا على حصة من إيرادات النفط وهو نموذج متكرر بينما تنقسم ليبيا بين حكومتين متنافستين تعتمدان على مجموعات مسلحة وقبائل.

وقال مصدر بقطاع النفط الليبي "ليبيا بحاجة إلى تسوية سياسية شاملة قبل حل أوضاع مثل تلك التي لدينا في الشرارة".

وتأمل المؤسسة الوطنية للنفط في المزيد من الزيادة في الإنتاج إذا تحسنت الأوضاع الأمنية لكن محللين يبقون متشككين.

وقال جيوفاني ستانوفو المحلل ببنك يو.بي.إس في زوريخ "مع ارتفاع الإنتاج إلى أعلى مستوى في خمس سنوات، فإن المخاطر على الإنتاج تدفعه في الجانب النزولي بالنظر إلى استمرار عدم الاستقرار السياسي في البلاد والوضع الأمني الذي يشكل تحديا".