فؤاد حسين يتسلم من عراقجي رؤية طهران بشأن تشكيل الحكومة العراقية

توقيت ومضامين الرسالة المرتبطة مباشرة بتشكيل الحكومة تعيد تسليط الضوء على الدور الإيراني في المشهد السياسي العراقي.
ايران المتراجعة في المنطقة لا تريد خسارة الساحة العراقية
التدخلات الايرانية تثير مخاوف قوى سياسية عراقية

بغداد - تعود مسألة النفوذ الإيراني في العراق إلى واجهة الجدل السياسي من جديد، مع تصاعد تحركات طهران الدبلوماسية بالتزامن مع تعقيدات مرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية، وسط مخاوف متزايدة من محاولات التأثير في مسار تشكيل الحكومة العراقية المقبلة.
وفي هذا السياق، تسلّم نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، فؤاد حسين، رسالة رسمية من نظيره الإيراني عباس عراقجي، نقلها السفير الإيراني لدى بغداد محمد كاظم آل صادق. وبحسب بيان لوزارة الخارجية العراقية، تناولت الرسالة رؤية طهران إزاء تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة، إلى جانب موقفها من المرحلة السياسية الحساسة التي يمر بها العراق عقب الانتخابات.

ورغم الطابع الدبلوماسي المعلن للرسالة، إلا أن توقيتها ومضامينها المرتبطة مباشرة بتشكيل الحكومة أعادا تسليط الضوء على الدور الإيراني في المشهد السياسي العراقي، وهو دور لا يزال يثير جدلاً داخلياً واسعاً، لا سيما في ظل الحديث المتكرر عن تدخلات غير مباشرة تهدف إلى توجيه التحالفات البرلمانية وترجيح كفة قوى بعينها.
وتشير معطيات سياسية إلى أن طهران تنظر إلى الساحة العراقية باعتبارها إحدى ركائز نفوذها الإقليمي، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها في أكثر من ملف إقليمي خلال السنوات الأخيرة. ومع تراجع حضورها وتأثيرها في عدد من ساحات الشرق الأوسط، تزداد خشية إيران من خسارة موقعها التقليدي في العراق، ما يدفعها إلى تكثيف جهودها للحفاظ على نفوذها داخل النظام السياسي العراقي.
ولا تزال قوى وأحزاب عراقية محسوبة على طهران، وفي مقدمتها أطراف بارزة ضمن "الإطار التنسيقي"، تعمل على تعزيز مواقعها داخل البرلمان، في محاولة لضمان دور مؤثر في تشكيل الحكومة المقبلة. ويرى مراقبون أن هذا الحراك يثير قلق قوى سياسية أخرى، تخشى أن تتحول عملية تشكيل الحكومة إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي، على حساب التوازنات الوطنية والاستحقاقات الدستورية.
ويحذر سياسيون من أن استمرار هذا النمط من التدخل قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المشهد السياسي، خصوصاً بين القوى الشيعية من جهة، والمكونات السنية والقومية من جهة أخرى، التي تخشى أن يُفرض عليها واقع سياسي تُدار فيه التفاهمات الكبرى خارج الحدود العراقية. وتبرز هذه المخاوف بشكل خاص عند الحديث عن توزيع المناصب السيادية والوزارات الحساسة.
وفي المقابل، سبق أن عبّرت الولايات المتحدة وعدد من الفاعلين المحليين عن قلقهم إزاء تنامي نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران داخل البنية السياسية والأمنية، معتبرين أن هذا النفوذ يشكل عائقاً أمام قيام حكومة قادرة على العمل باستقلالية، وتلبية متطلبات الإصلاح والاستقرار.
كما أن التصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين أو شخصيات مقربة من طهران بشأن ملف "الحشد الشعبي" ودوره المستقبلي، غالباً ما تُقرأ في الداخل العراقي على أنها رسائل ضغط سياسية، خاصة في ظل تصاعد الدعوات الدولية لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.
وفي إطار سعيها للحفاظ على وحدة حلفائها، تلعب إيران في بعض الأحيان دور الوسيط بين القوى الشيعية المتنافسة، سواء عبر تشجيع التقارب أو ممارسة ضغوط غير معلنة لتفادي انقسامات قد تضعف موقعها. غير أن هذه الوساطات تُواجَه بانتقادات متزايدة من قوى ترى فيها تدخلاً مباشراً في القرار السيادي العراقي.
وعلى المستوى الشعبي، لا تبدو هذه التحركات محل ترحيب واسع، إذ أظهرت استطلاعات رأي ومواقف احتجاجية سابقة رفضاً واضحاً لأي تدخل خارجي في الشأن العراقي، بما في ذلك التدخل الإيراني. ويعزو كثير من العراقيين تعثر بناء مؤسسات الدولة واستمرار حالة عدم الاستقرار إلى تغليب المصالح الإقليمية على المصلحة الوطنية.
وبينما تتواصل المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة، يبقى السؤال المطروح في بغداد هو ما إذا كانت القوى العراقية قادرة على إنتاج تسوية داخلية مستقلة، أم أن هواجس النفوذ الخارجي، وفي مقدمتها النفوذ الإيراني، ستظل عاملاً حاسماً في رسم ملامح المرحلة المقبلة.