فتنة إخوانية مفتعلة بين مصر والسودان
إذا أردت أن تعرف ما هي الجهة التي لا يهمها استمرار التحسن في العلاقات بين مصر والسودان، فابحث عن جماعة الإخوان، فهي من أشد التيارات عداء للقاهرة وأكثرها تضررا من توطيد العلاقات بينها والخرطوم. وتعلم أن صمت الدولة المصرية على تمدد فرعها السوداني في أروقة السلطة عقب اندلاع الحرب بين قوات الدعم السريع والجيش لا يعني القبول بها كأمر واقع أو المصالحة السياسية معها وانتهاء فترة القطيعة المصرية معها. فلا تزال الجماعة رأس حربة للفتنة وعلى قوائم الإرهاب، ولا يختلف التعامل مع الأصل في مصر عن الفرع في السودان.
تصاعدت حدة الحملة التي انطلقت على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن استهداف جهات رسمية لسودانيين يقيمون في مصر، ولعب فيها إعلام جماعة الإخوان دورا بالغا، بعد أن صححت مصر صورتها لدى شريحة كبيرة من السودانيين، بموجب استقبال الملايين منهم في أراضيها بعد اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، والترحيب بهم، وفتح الكثير من منافذ الحياة أمامهم للعيش والعمل والاستقرار، بما خلق صورة ذهنية إيجابية، بذلت الحركة الإسلامية بالسودان، في القلب منها جماعة الإخوان، جهودا لتخريبها لتظل الصورة النمطية السلبية تجاه مصر عالقة في أذهان بعض السودانيين، وتخلو من تقييمات سياسية واقتصادية وتحصرها في التقييم الأمني.
لا ترتاح قيادات الجماعة في السودان لأي تطور ملحوظ في العلاقات مع مصر. وتريد أن يظل السودانيون كارهين للقاهرة لقطع الطريق على محاولات تعزيز علاقاتها مع النظام الحاكم في الخرطوم، وتبقى السلطة في الثانية أسيرة لحسابات الحركة الإسلامية، سواء أكانت في الحكم أم في صفوف المعارضة.
كل ما يهم إسلاميي السودان أن تبقى صورة مصر مشروخة أو مجروحة في عقل ووجدان السودانيين. وهو ما تحاول بعض الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي القيام به حاليا. حيث عاد الآلاف من السودانيين إلى الخرطوم والجزيرة مؤخرا، وهم محملون بذكريات طيبة عن الحكم والشعب والحياة في مصر.
ما يعزز الافتعال في الفتنة الجديدة أن المزاعم التي سيقت كدليل على استهداف الأجهزة المصرية لسودانيين، أن حالات الترحيل والمساءلة فردية وليست جماعية. تخضع كل حالة منها لظروف أمنية معينة، يصعب تعميمها. فهناك الملايين من السودانيين يعيشون في بر مصر بلا شكوى.
كما أن الحكومة السودانية لم تشر من قريب أو بعيد لأي تجاوزات من جانب الدولة المصرية. وكل ما تقوم به القاهرة يخضع لتقديرات دقيقة ومن دون تفرقة بين سودانيين ومصريين، والهدف منه تطبيق القانون وحفظ الأمن والاستقرار.
تصاعدت حملة بعض السودانيين الافتراضية ضد الإجراءات المصرية أخيرا، للاستفادة من سلاح المظلومية المعتاد، والذي تجيد توظيفه جماعة الإخوان، بغرض توسيع نطاق التعاطف مع خطابهم، وإحراج الحكومة المصرية سياسيا وإنسانيا، وحثها على مزيد من التساهل، والتغاطي عن تطبيق القانون حرفيا على من يرتكبون تجاوزات، ومن يريدون البقاء في مصر وهم يفتقرون للمسوغات القانونية.
تجاوب البعض مع الحملة المسمومة ضد مصر، يعني أن إعلام الحركة الإسلامية السودانية نجح في توصيل رسالته القاتمة، وأن هناك من لا يريدون الحفاظ على النسق المتصاعد في العلاقات بين الشعبين، ويسعون للحفاظ على الصورة الرمادية السابقة وعدم تبديلها، لأن التحسن الظاهر على المستوى الشعبي يجبر أي حكومة في السودان على الالتزام به، ويخول للقاهرة مواصلة التعاون مع الخرطوم، بالشكل الذي يفضي إلى ضرورة تقويض أجنحة الإخوان في السلطة بعد إنتهاء الحرب، والمؤسسات التي تمادت قيادات الجماعة في اختراقها بعد نشوبها بين الدعم السريع والجيش.
استبقت حملة تحريض السودانيين على مصر التوجه الجديد بين القاهرة والخرطوم للتعاون على المستوى الاستراتيجي، والذي يستمد ركائزه من المصالح الحيوية المشتركة بينهما، وتجاوز العقبات المصيرية والتصدي لروافدها معا.
ويعني بروز مؤشرات قوية للحملة الأيام الماضية وجود استشعار بأن العلاقات بين البلدين في طريقها لمزيد من التطور، استنادا لما يواجهانه من تحديات إقليمية صعبة، وبسبب وفرة المشاعر الإيجابية، التي نمت لدى فئة من السودانيين نحو مصر.
ظلت بعض القوى السودانية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، تعمل على فصم العلاقة مع مصر والحرص على وضعها في خانة من تريد الاستفادة من السودان عبر عملية تقزيم محكمة لمراكزه الرئيسية. وترسخت هذه الرؤية في أذهان شريحة منهم.
وكلما نمت العلاقات بينهما طفت على السطح مفردات تنال من القاهرة، وبدت عملية حصرها في نطاق المُتهمة مريحة للإخوان لمنع التحسن المحتمل على الصعيد السياسي، وتفكيك كل محاولة تلوح في الأفق لتحسين العلاقات، وآخرها ما جرى بعد اندلاع الحرب في السودان، ونسجت على إثرها مصر رواية جذبت إليها السودانيين، وأجبرتهم على تغيير قناعاتهم، سعت الحركة الإسلامية نحو زرعها في نفوسهم.
سوء حظ الإخوان في السودان ومصر أيضا، أن الشعوب لم تعد راضخة لما يتردد على أذانها من قصص وحكايات منقوصة، يتداخل فيها الحق مع الباطل، والافتراضي بالحقيقي. وعاني الشعب السوداني كثيرا من هيمنة الحركة الإسلامية على مفاصل السلطة، ولم يعد مقتنعا أنها تمثل طريقا مناسبا.
ومع توالي المحن في السودان بسبب وجود الإخوان في السلطة، أو حتى خارجها في صفوف المعارضة، لم يعد الشعب مستعدا لتصديق الرواية المنسوخة ضد مصر أو غيرها. ما يعني أن حملة التحريض الجديدة ضد القاهرة لن يكتب لها النجاح، ولن تفضي لفرملة أي تطور إستراتيجي يتم الترتيب له للعلاقات بين مصر والسودان.
تؤكد المطعيات المتوافرة أن الفتنة الجديدة مصطنعة، وغرضها تشتيت الانتباه بعيدا عن القضايا التي تهم البلدين، وشغل القيادة في مصر والسودان بهموم هامشية، يمكن أن تتسبب في احتقان شعبي محدود، في ظل وجود ملايين من السودانيين بمصر، وافتقار من وصلوا للخرطوم إلى كثير من الخدمات والأمن وفرص العمل. فالحياة غير مستقرة، والأجواء ليست مواتية تماما، ما يجعل وضع الكرة في سلة مصر يؤدي إلى تداخل القضايا، ويبعد الشبهات عن الحركة الإسلامية المتهمة بتحريض المؤسسة العسكرية في السودان على استمرار الحرب ورفض الاستجابة لمبادرات السلام.