فخرية اليحيائية تحلل فن التجهيز في الفراغ

التشكيلية العُمانية تثري فنون ما بعد الحداثة بإصدارها كتاب "فن التجهيز في الفراغ .. قراءة تحليلية لبعض النماذج". 


الكتاب يهدف إلى التعرف على الخلفية التاريخية والمفاهيم الفلسفية والنقدية لفن التجهيز في الفراغ


فن التجهيز في الفراغ جاء كنتيجة حتمية لحالة المخاض التي مرّ بها الفن

مسقط ـ يقدم كتاب "فنون ما بعد الحداثة: فن التجهيز في الفراغ: قراءة تحليلية في بعض النماذج" للمؤلفة الدكتورة فخرية اليحيائية وإصدار دائرة النشر والتواصل العلمي بجامعة السلطان قابوس مدخلاً عامًا وشاملًا عن أحد أهم مجالات فنون ما بعد الحداثة؛ وهو فن "التجهيز في الفراغ" الذي ظهر في العقد الأخير من القرن العشرين كردة فعل لفكرة السوق التجاري للفن؛ ولا يزال يكتنفه الكثير من الغموض والابهام؛ كونه اشتمل على حقولٍ عديدة كالفنون والآداب والسينما والموسيقى وعلم الاجتماع وعلم الاتصال والتكنولوجيا والهندسة المعمارية والأزياء وغيرها.
والتجهيز في الفراغ هو أحد اتجاهات فنون ما بعد الحداثة التي اهتمت بمشاركة الجمهور وربط الفن بالمجتمع، وهو لغة جديدة ابتكارها الفنان ليكون أكثر تواصلا وتفاهما مع الجمهور فهو يشير إلى فكرة ومفهوم "العرض" وكيفية تنظيم وتنسيق عناصر العمل الفني في "فراغ حقيقي"، داخليا كان أو خارجيا، وهو نوع من النشاط العقلي يقوم به الفنان لممارسة هذا الشكل الحديث من الفن.
يهدف الكتاب إلى التعرف على الخلفية التاريخية والمفاهيم الفلسفية والنقدية لفن التجهيز في الفراغ، مع الإشارة إلى الأسس الإنشائية والأدائية والتقنية لهذا المجال. وقد جاء فن التجهيز في الفراغ كنتيجة حتمية لحالة المخاض التي مرّ بها الفن، والتي خلقت حالة من التشابك بين المرئي واللاّمرئي، و"هذه العلاقة الملتبسة بين المرئي واللامرئي التي تحيلنا إلى العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين الصورة والمدلول؛ أيّ حالة بين الشكل الذي يقدمه الفنان والأشياء التي يجهز ويؤسس بها؛ عمله ليظهر على الشاكلة التي هي عليها ساعة العرض، والمضمون الذي يسعى الفنان إلى تمريره للمشاهد. 
يقدم الكتاب قراءات في بعض ممارسات فن التجهيز في الفراغ للقارئ ليجد منفذاً للدخول إلى حيثيات بناء العمل والفكر الضمني المصاحب له من خلال استعراض لبعض تلك الممارسات، كما يعّرف الكتاب بأهم فناني العالم في هذا المجال من خلال قراءة وتحليل عدد 59 عملا فنيا. وقد قسمت المؤلفة كتابها إلى ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول: مصطلح ما بعد الحداثة، أما الفصل الثاني فيتناول: فن التجهيز في الفراغ، ويقدم الفصل الثالث والأخير قراءات تحليلية في بعض التجارب العالمية والعربية.

وقد اعتمدت المؤلفة على عدد من التجارب على سبيل المثال لا الحصر، التي استطاعت الوصول إليها من المصادر المتوفرة لديها. ويأتي هذا الكتاب مقدماً قراءات في بعض ممارسات فن التجهيز في الفراغ للقارئ العربي ليجد منفذاً للدخول إلى حيثيات بناء العمل والفكر الضمني المصاحب له من قراءات لبعض تلك الممارسات، كما يعّرف الكتاب بأهم فناني العالم في هذا المجال، ويسلط الضوء على بعض التجارب العربية المتواضعة في هذا الشأن مثل تجربة الفنان محمد يوسف الحمادي، وحسن شريف، وابتسام عبدالعزيز من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن جمهورية مصر العربية الفنانة آمال قناوي، ومن سلطنة عُمان فخرية اليحيائية، وبدور الريامية، والفنان عبدالناصر الغارم، وأحمد ماطر من المملكة العربية السعودية.
الدكتورة فخرية اليحيائية أحد أبرز الأسماء في الحركة التشكيلية في سلطنة عمان، وقد تخرجت في جامعة السلطان قابوس بتقدير ممتاز عام 1995، وتلقت تعليمها في بريطانيا وحصلت على درجة الماجستير في الفنون من جامعة ويلز عام 1998، وعلى درجة الدكتوراه في فلسفة الفنون الجميلة من جامعة ديمونت فورت عام 2004، وتعمل حالياً رئيسًا لقسم التربية الفنية بجامعة السلطان قابوس، وتعكف على تدريس الرسم والتصوير للطلبة الجامعيين الملتحقين بقسم التربية الفنية. ولها عضويات بالعديد من الجمعيات والمؤسسات الثقافية، ومشاركات مستمرة في المعارض التشكيلية والمناسبات الوطنية والمؤتمرات العلمية في عمان وخارجها.
وسبق وأن صدر للفنانة عدة كتب ودراسات فردية ومشتركة منها، "قراءة في تكوينات لونيّة"، من تأليف وتصميم وإخراج الفنانة التشكيليّة والأكاديميّة العُمانيّة الدكتورة فخريّة اليحيائية، والذي رافق معرضها الفردي السابع، وفيه رسمت بدقة، الملامح المبهرة لإحدى تجاربها الفنيّة التجريديّة القائمة على تقنية التصوير الضوئي، والأقمشة الشرقيّة الملونة التي اختارتها بعناية.
وقد اعتمدت اليحيائية في إنجاز أعمالها التي انضوت تحت عنوان "تكوينات لونيّة" على منظور متمايز للإدراك الحسي، ومن خلالها البحث عن المنظومات الجماليّة الموجودة في البيئة المحيطة بالفنانة، حيث كانت رحلة البحث مرتكزة على ألوان الأقمشة كمادة خام.
كما شاركت وحررت كتاب "الفنون البصرية في سلطنة عُمان من التراث الى المعاصرة"، الذي صدر حديثاً عن مختبر الفنون بمؤسسة بيت الزبير والذي يتضمن 6 فصول يتناول كل منها دراسات فنية نقدية لعدد من الأكاديميين العُمانيين والمقيمين في السلطنة.
وتعد الفنانة التشكيلية د. فخرية اليحيائية من أبرز الفنانات والفنانين العمانيين الذين يبذلون جهودا متلاحقة لتأصيل الفن التشكيلي العماني والارتقاء به، هي وزوجها الدكتور محمد العامري. حيث ساهما في التنظير العلمي والتأصيل للفن في عمان، بمؤلفهما الأبرز بعنوان "الفن التشكيلي في عمان" والذي يعطي لمحة تفصيلية على الحركة التشكيلية العمانية.

oman
المتعة والمعرفة 

وبخلاف مهامها الأكاديمية تشرف التشكيلية العمانية الدكتورة فخرية اليحيائية على أسبوع الفنان المقيم، الذي تقيمه السلطنة ويستضيف فنانين من مختلف أنحاء العالم، وكان آخر الأسابيع هو الأسبوع الثالث الذي أقيم عام 2018، كما نالت مجموعتها البحثية للفنون البصرية العمانية شهادة تقدير المجموعة البحثية المتميزة في عاميين على التوالي وذلك بمناسبة الاحتفال بيوم الجامعة السابع عشر والثامن عشر وذلك في الأعوام 2017 و2018
وسبق للدكتورة فخرية أن قدمت وشاركت في العديد من المعارض الفنية داخل وخارج السلطنة، ففي عام 2007 قدمت تجربتها "ظل ونور" ثم تجربة "انعكاس" في 2009 عنوانين لمعرضين شخصيين أقامتهما في سلطنة عمان. وتبعها سلسلة من المشاركات والمعارض، ومنها معرضها الأبرز بالمركز العماني الفرنسي "أنتِ وأنا: عُمانيات" وهو بمثابة تجربة فنية تنقل التصوير المفاهيمي في مفهومه العام إلى الخصوصية في التجربة من خلال تسعة عشر عملا فنيا قدمتها اليحيائية، لتعكس للمتلقي العلاقات البصرية اللونية في إيقاعات جمالية بين الأنا الخاصة بالفنانة والأنا الأخرى، والمعرض هو مشروع فني تربط فيه الفنانة التراث والهوية العمانية في قالب معاصر من خلال تسجيل لحظات تفاعلية حركية، وبإيقاعات متباينة من حيث اللون والموضع.
وفي تونس وضمن مشاركة السلطنة ممثلة بالمجموعة البحثية للفنون البصرية العمانية التابعة لقسم التربية الفنية بكلية التربية بجامعة السلطان قابوس في فعاليات صفاقس عاصمة الثقافة العربية 2016 بتونس من خلال الأسبوع الثقافي العماني وملتقى صفاقس بعيون عمانية؛ تم افتتاح المعرض الشخصي "وهج" للتشكيلية والأكاديمية الدكتورة فخرية بنت خلفان اليحيائي رئيسة قسم التربية الفنية بالجامعة، ورئيس المجموعة البحثية للفنون البصرية العُمانية.
ولأنها تؤمن بالفن ودوره الكبير في الحياة والمجتمع، فقد رعت وافتتحت العديد من المعارض الطلابية أخرها معرض "استمع إلى فنك"، المعرض الفني الأول لمدرسة الشموخ الدولية بمسقط، مؤكدة على أهمية صقل المواهب الفنية لدى النشء والصغار وتتبع مهاراتهم ومواهبهم واكتشافها في وقت مبكر، باعتبارهم مشاريع فنية حقيقية لا ينقصها سوى الاكتشاف والتوجيه والصقل عبر التعليم والتعلم والورشات المتخصصة.
والدكتورة فخرية اليحيائية هي المشرف العام على مختبر الفنون في بيت الزبير، وكانت قد شاركت في فعاليات أسبوع الفن الذي نظمه بيت الزبير أبريل/نيسان 2018 مؤكدة أن الانطلاقة الاولى لأسبوع الفن في السلطنة يستهدف توليد أفكار ومرئيات للرقي بمستوى الفن التشكيلي العُماني، خاصة وقد حفل أسبوع الفن بمكونات وفعاليات متنوعة تسمح لكل من الفنان المحترف والناقد والهاوي وطالب الفن والباحث المتعة والمعرفة بما يصب في النهاية في مصلحة الرقي بالفن التشكيلي العماني.