فرحة العيد في عيون الشعراء

المتنبي قرر ألا يبقى في مصر خلال العيد، وقرر الرحيل ليلة العيد، وأنشد قصيدته وهو في طريقه للشام مُغادرًا الحدود المصرية.


مأمون عبدالقادر في قصيدته "يا ليلة العيد"، يتحدّى مقدرته الشعرية، مقابل مقدرة الشاعر الفذ أبوالطيب المتنبي


عيدٌ بأيةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ ** بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ

قبل ألف سنة قال شاعر العربية الأول، الشاعر الفحل أبوالطيب المتنبي، واحدة من أجمل قصائد العربية عامة، إذ أنشد المتنبي هذه القصيدة، ليلة خروجه من مصر في ليلة العيد، عندما قرر مغادرة مصر المحروسة غاضبًا من حاكمها في ذلك الوقت، كافور الإخشيدي، الذي لم يف بوعده مع المتنبي عندما دعاه للحضور من الشام إلى مصر. وكان كافور الإخشيدي قد وعد المتنبي أن يمنحه الكثير من الهبات والعطايا، ويعينه واليًا على إحدى المدن المصرية، وعندما تأكد المتنبي من شح كافور الإخشيدي وبخله، وعدم توليه الإمارة التي وعده بها قرر ألا يبقى في مصر خلال العيد، وقرر الرحيل ليلة العيد، وهكذا أنشد هذه القصيدة وهو في طريقه للشام مُغادرًا الحدود المصرية. يقول المتنبي:
عيدٌ بأيةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ
بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ
أما الأحبةُ فالبيداءُ دونهمُ 
فليتَ دونك بيدًا دونها بيدُ
وعلى هذا النهج والمنوال ينسج الشاعر مأمون عبدالقادر، قصيدته التي كتبها أيضًا ليلة العيد، مُعارضًا فيها قصيدة المتنبي حيث يقول الشاعر مأمون عبدالقادر:
عيدٌ بأية حالٍ تـأتي يـــا عيدُ 
بمثلِ ما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ 
أما الأحـبَّةُ فـالبلاءُ فـرَّقهمْ 
سبـحانك تفعلُ ما تشـا وتــريدُ 
والمعارضة هنا واضحة وجلية، وشعر المعارضات معروف ومعلوم، وفيه ينظم الشاعر قصيدته على نفس الوزن والقافية والبحر الشعري، وعلى نفس موضوع القصيدة أيضًا، والشاعر مأمون عبدالقادر في قصيدته "يا ليلة العيد"، يتحدّى مقدرته الشعرية، مقابل مقدرة الشاعر الفذ أبوالطيب المتنبي، لما في قصيدة المتنبي من روعة الصياغة، وفصاحة البيان، وهي منافسة شريفة للوصول إلى الهدف الأسمى، وهو التعبير عن عدم الشعور بفرحة العيد نتيجة غياب الأحبة الراحلين.
ومن أبرز قصائد المعارضات الشعرية خلال العصر الحديث، قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي عندما عارض قصيدة أمير البيان الشاعر البحتري وهو يصف إيوان كسرى، حيث أنشد البحتري قائلا:
صنتُ نفسي عما يدنِّسُ نفسي
وترفّعتُ عن جدا كلِّ جِبس
وبدأ شوقي قصيدته التي وصف بها آثار المسلمين بعد سقوط الأندلس؛ حيث أنشد مُعارضًا قصيدة البحتري قائلا:
اختلافُ النهارِ والليلِ يُنسي
اذكرا لي الصِّبَا وأيامَ أُنسي 
والشاعر مأمون عبدالقادر، هو أستاذي خلال المرحلة الثانوية 1977 ــــ 1980، الذي شجعني كثيرًا، عندما عرف أنني أنظم الشعر والقصة القصيرة والرواية، وشجعني كثيرًا للتردد على مكتبة المدرسة، قائلا: المدرسة تعلمك وتعطيك مفتاح العلم، أما العلم الحقيقي ستجده في قراءة الكتب التي تملأ أرفف المكتبة.
وكنت لم أعرف المكتبة إلا في مدرسة كشك الثانوية العسكرية بزفتى؛ لأن مدرستي خلال المرحلتين الابتدائية والإعدادية لم يكن بهما أية مكتبة، وفي مكتبة المدرسة الثانوية بدأت المرحلة الثانية مع رحلتي مع الكتابة بقراءة الروايات، وكانت أول رواية قرأتها بمكتبة المدرسة، رواية "الشوارع الخلفية" للكاتب عبدالرحمن الشرقاوي، ثم قرأت روايات: "اللص والكلاب" و"الحرافيش" و"الثلاثية" و"ثرثرة فوق النيل" لنجيب محفوظ، وقصص وروايات دكتور يوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس ومصطفى محمود ومحمد عبدالحليم عبدالله.
وأخيرًا بدأت المرحلة الثالثة مع رحلتي مع الكتابة بكتابة رواية لا أزال أحفظُ اسمها: "مخالب القدر"، كتبتها في كشكول كبير، وأعطيتها للأستاذ مأمون عبدالقادر مدرس اللغة العربية بمدرسة كشك الثانوية الذي شجعني كثيرًا، وقال إن مستقبلا كبيرًا ينتظرني بالكتابة الأدبية، ثم بدأتُ أنظمُ الشعر مُتأثرًا بالشاعر محمود حسن إسماعيل قراءة ديوانه "أغاني الكوخ"، ثم تأثرتُ بالشاعر نزار قباني وشعره الرومانسي الذي كان يتناسبُ مع مرحلتي العمرية بالمدرسة الثانوية.  

Feast
خــير الجـنود قـلوبهم حديد 

سنوات طويلة كان الأستاذ الشاعر يأخذ بيد تلامذته ويعلمهم، وهو صاحب أسلوب جذاب في شرح وتفسير قصائد الشعر العربي، وبعد رحلة طويلة للأستاذ مأمون عبدالقادر للعمل مُدرسًا للغة العربية في المدارس الثانوية، ثم مديرًا للمدرسة، وأخيرًا مديرًا عامًا لإدارة زفتى التعليمية حتى خرج على المعاش، هذه الرحلة الطويلة في العمل بالتدريس والعمل الإداري شغله كثيرًا عن استكمال مشروعه الشعري، واليوم الذي يقترب فيه أستاذنا من العام الرابع والسبعين، أمد الله في عمره، أطالبه بجمع القصائد التي أنشدها بالكثير من المناسبات الوطنية والدينية ليجمعها في ديوان مطبوع.
والآن أدعوكم لقراءة قصيدة الأستاذ والشاعر الكبير مأمون عبدالقادر الفار: "يا عيد".
عيد بأية حـال تـأتى يا عيدُ 
بمـــثل ما مضى أم لأمر فيك تجديد 
أمـا الأحـبّة فـالبلاء فـرَّقهم                     
سبـــحانك تفعل ما تشـا وتـريد 
رمضانُ قد حُبسـت فـــيه أرواحنا 
وحُـرمنا من حلاوة التقـوى مزيد 
شــكـــــــرًا ربــنا أيقظـــتنا بقــولك    
لنبلونـكم خوف ونقص ونفوس تبـيد 
وبشرت الصابرين بصلوات  ورحمة    
وهــــــداية وعــطاؤك دائــــمًا عديد 
ووهبتنا قائدًا يــــرى الله في أعماله     
ويبحــث لمصــر عــن كل أمر يفيد 
وحكومـــة قد شمرت عن سواعدها   
تعــمـــل دائـــمًا فـــلا تكل ولا تحيد 
وعـــمـــال يـــديرون الآلات أمـــلًا   
يزيدون الإنتاج فتســــلم هذه الأيادى 
وجنود مصر ســاهرون على الحمى   
خـــــير الجــــــنود قـــــلوبهم حديد 
يحمـــــــون أرض التجـــــلى كرامة      
ويعـــــطرونــها بمــــسك دم الشهيد 
جــــــاء العـــــدا في شــــهر الرضا     
فأذاقوهم وبال أمرهم ولدينـــا مـزيد 
ورســــل الرحمــــة يحـاربون الوبا   
همـــــة وعـــــزيمة وبــأس شــــديد 
يواصلون ليلهــــم بنهـــارهــم كرمًا   
سهرت عيونهم وقلوبهم كرقيب عتيد 
يا شـــعب الكنــــانة حـــيرت الورى    
صــــبر وشــــــجاعة وذكـــاء تلــــيد 
مـــــددتم يـــــد العــــون أيام مسغبة   
وكنـــتم لإخـــوانكم كحــــبل الوريــد 
وأبدلتمــوهم مـن العسر ميــســـــرة    
فجزاء الإحسان إحسان في يوم الوعـيد 
فـــيا رب ندعــوك بأسـمائك الحسنى  
رفع البـــــلاء يـــا من تبــــدى وتـعيد 
وأبــدلنـــــا من العســـــر مـيســــرة  
فــــأنت الكــــريم تعــــطى بلا حدود 
واقــــبل يا رب مــن عبادك صومهم  
واجعل الريان مــــنا غير بعــيد 
واجعـل الـقرآن العــظيم ربيع قلوبنا    
وذكــر به مــــن يخــــاف وعـــيد 
بحـــق محــمــد وآل البـــيت قـاطبة  
فحـــب آل محـمــــد عطــــاء مــــديد 
وصـل وسلم على خير الأنام محـمد  
وارفع البلاء عـــنا قبل العـــيد