فرنسا تلتفت متأخرا لقنابل تطرف موقوتة على أراضيها

وزير الداخلية الفرنسي يدعو صراحة لإبعاد 231 أجنبيا موجودون على الأراضي الفرنسية بشكل غير قانوني تتم ملاحقتهم بتهمة التطرف، بينهم 180 في السجن حاليا.


الداخلية الفرنسية تدعو إلى ترحيل عشرات الأجانب المتطرفين


المتطرفون في فرنسا إما في السجون أو طلقاء ملاحقون في قضايا على صلة بالتطرف


شبكة معقدة لجماعات الإسلام السياسي يتصدرها الإخوان والسلفيون تنشط في أوروبا


متشددون سنّة وشيعة استفادوا من قوانين حماية الحريات لنشر خطابات التطرف

باريس - دعا وزير الداخلية الفرنسي جيرالد درمنان الثلاثاء إلى طرد عشرات المتطرفين ومعظمهم مسجونون حاليا وآخرون طلقاء ملاحقون في قضايا على صلة بالإرهاب.

وقال "علينا طرد" 231 أجنبيا موجودون على الأراضي الفرنسية بشكل غير قانوني تتم ملاحقتهم بتهمة التطرف، بينهم 180 في السجن حاليا.

ويشكل هؤلاء وهم معلمون لدى السلطات الفرنسية، قنابل موقوتة ليس في فرنسا لوحدها بل في عدة دول أوروبية، بحسب تقديرات مراكز متخصصة تتابع نشطات الجماعات المتطرفة.

وأضاف درمنان لدى كشف أرقام لنشاط قوات الأمن "يبقى اليوم 231 شخصا يقيمون بصورة غير قانونية يجب طردهم وهم ملاحقون للاشتباه بتطرفهم".

وأوضح أنهم مدرجون على لائحة المهاجرين السريين الـ851 في الملف الخاص بالوقاية من التطرف لأهداف إرهابية وأن 428 من هؤلاء طردوا.

ومطلع الشهر الحالي قدم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خطة عمل ضد "الانعزالية الإسلامية"، معلنا تدابير عديدة مثل إلزام أي جمعية تطلب إعانة عامة بالتوقيع على ميثاق العلمانية وتعزيز الإشراف على المدارس الخاصة التابعة لطائفة دينية وفرض قيود صارمة على التعليم المنزلي.

وتتعرض الحكومة الفرنسية لانتقادات من اليمين لتراخيها ومن قسم من اليسار لوصم المسلمين.

وقال الوزير الفرنسي إن "12 من دور العبادة التي تشجع على التطرف" أغلقت في سبتمبر/أيلول منها مسجد غير معلن ومدرسة خاصة ومركز ثقافي وخمسة محلات. وأُغلق 73 مكانا يشتبه في انتهاجها التطرف في فرنسا منذ مطلع العام.

ومنذ 2015 تعرضت فرنسا لاعتداءات إرهابية أوقعت 258 قتيلا وتبنى معظمها تنظيم الدولة الإسلامية. كما فككت السلطات عشرات الخلايا النائمة التي تنشر الفكر المتطرف على منصات التواصل الاجتماعي والمنتديات وتستقطب متطرفين للقتال في بؤر التوتر.

ولفرنسا مئات الجهاديين الذين التحقوا بتنظيمات متطرفة في سوريا قتل منهم العشرات واسر آخرون في حملة عسكرية قادتها قوات سوريا الديمقراطية بدعم من قوات التحالف الدولي.

ويستغل أشخاص ممن رصدت السلطات الفرنسية ميولاتهم للتطرف، قانون يحمي الحريات بصفة عامة والحريات الدينية بصفة خاصة، لنشر الفكر المتطرف وينتهي مسار هؤلاء عادة  إلى الانتماء لمنظمات متطرفة مصنفة على القوائم الغربية للتنظيمات الإرهابية.  

وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذتها فرنسا وبعضها بالتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي لكبح التطرف سواء الافتراضي (على المنصات الالكترونية) أو في عدد من المساجد، فإنها تبقى من أكثر الدول الأوروبية عرضة للاعتداءات الإرهابية.

ولا يتعلق الأمر بما تسميه السلطات الفرنسية بالإسلام المتشدد أو بجماعات سنّية متطرفة، بل أيضا بجماعات شيعية وقد قامت السلطات مؤخرا باعتقال أربع مسؤولين سابقين في جمعية الزهراء الشيعية المتطرفة المحظورة والتي سبق أن داهمت الشرطة مقرها في 2018 وأغلقتها لارتباطها بالإرهاب والتحريض على الكراهية. وإضافة إلى ذلك تواجه فرنسا خطر الجماعات اليمينية المتطرفة مع موجة صعود سابقة للتيارات الشعبوية.

وقد تكون فرنسا التي تضم جالية مسلمة هي الأكبر في أوروبا، عرضة لهزات أمنية كما جرى في السنوات القليلة الماضية، إلا إنها لا تشكل استثناء بين دول الاتحاد الأوروبي.

وتواجه دول أوروبية ومنها ألمانيا وبريطانيا تحديدا مخاطر انتشار التطرف على أراضيهما بسبب قوانين تتعلق بالحريات الدينية أتاحت لجماعات منها جماعة الإخوان المسلمين فرصة لبناء شبكة واسعة ومعقدة بعضها متورط في تجنيد وتسفير متشددين للقتال في بؤر التوتر.

وفي يوليو/تموز الماضي حذّر تقرير فرنسي من خطر بات يتهدد فرنسا على ضوء تنامي نشاط جماعات الإسلام السياسي يتقدمهم تنظيم الإخوان المسلمون وتليه جماعات سلفية تدعي أنها غير عنيفة وتحاول التأثير على المجتمع.

ودعا التقرير الذي صدر عن مجلس الشيوخ الفرنسي إلى التحرك سريعا في مواجهة نزعة متصلبة تستلهم من الإسلام الأصولي و"تشكك في قيم الجمهورية".

ونشرت التحذيرات الفرنسية بعد أسابيع قليلة من نشر ألمانيا تقريرا مماثلا يحذّر من هيمنة وأنشطة جماعة الإخوان المسلمين وأفرعها في الأراضي الألمانية ومحاولات التأثير على نسيجها المجتمعي بالتضليل والخداع وإنشاء خلايا سرية لضمان التواصل مع أنحاء أوروبا.

واقترح مجلس الشيوخ الفرنسي حينها حوالي 40 إجراء للحد من "التطرف الإسلامي" الذي يصبح أكثر تهديدا كما يقول، ومن بينها منع التحريض والخطابات الانفصالية ومراقبة بعض المدارس والجمعيات وتوعية المسؤولين المنتخبين ووسائل الإعلام.

وجاء في النص أنّ "التطرف الإسلامي حقيقة" اليوم في عدد متزايد من المناطق في فرنسا. وقد أعِدّ التقرير بناء على 70 مقابلة أجراها أعضاء مجلس الشيوخ مع باحثين وناشطين وجهات فاعلة في المؤسسات وقادة سياسيين ضمن لجنة تحقيق تم إنشاؤها في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بمبادرة من حزب الجمهوريين (يمين).

واشار التقرير وقتها إلى أنّ هذه النزعة "المتصلبة" المستلهمة من الإسلام الأصولي "تشكك في قيم الجمهورية"، في إشارة إلى حرية المعتقد والمساواة بين الرجل والمرأة والاختلاط.

ووفق كاتبة النص السيناتورة جاكلين أوستاش-برينيو "يجب التحرك سريعا" لأن "كل مناطق فرنسا صارت متأثرة اليوم، باستثناء غرب البلاد وإلا ففي غضون سنوات قليلة، قد تخرج بعض من هذه المناطق والأحياء من الجمهورية".

وفي فبراير/شباط الماضي، حذّر الرئيس إيمانويل ماكرون من "الحركات الانفصالية الإسلامية" وأعلن إجراءات ضد "التأثيرات الأجنبية" على الإسلام في فرنسا (تمويل المساجد والأئمة).

ويبرز الجهاديون بين الجماعات المستهدفة في التقرير وهم الجهة الرئيسة التي وقفت خلف سلسلة الهجمات التي أودت بحياة أكثر من 250 شخصا في فرنسا منذ العام 2015.

لكن اللجنة أبدت قلقها أيضا إزاء الحركات الإسلامية المتشددة التي تدعي أنها غير عنيفة لا سيما السلفية منها (حوالي 40 ألفا في فرنسا) أو الإخوان المسلمون (50 ألفا).

وكان تقرير ألماني قد سلط الضوء في يونيو/حزيران على أنشطة مشبوهة لخلايا سرية قال إنها لإسلاميين تعمل على تخريب الديمقراطية وتفكيك النسيج الاجتماعي، مشيرا إلى أن عناصرها تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في عدد من الدول العربية والخليجية والتي تتلقى تمويلات تركية وقطرية.

وكشف تلفزيون 'بي أر' (ولاية بافاريا الألمانية) في تقريره حينها عن أنشطة وتحركات يقوم بها الإخوان من خلال "خلايا تعمل على تدمير الديمقراطية"، تعمل سرّا، محذرا من أن هذا التنظيم قد يكون يشكل خطرا على أمن البلاد ونسيجها المجتمعي أكثر من ذلك الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

ولا توجد انتماءات معلنة لتنظيم الإخوان في ألمانيا، إلا أن خبراء في الدستور حذّروا من أنشطة غير معلنة لهذا التنظيم، مشيرين إلى استقطابه المزيد من الأتباع وتشكيل خلايا سرّية.