فشل خلط الديمقراطية بتطبيق الشريعة: الاخوان المسلمين في مفترق طرق

إذا كان هناك من عنوان يلخص المتغيرات السياسية العالمية للثلاث عقود المنصرمة بشكل خاص، ولما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بشكل عام، فهو: "أولوية الديمقراطية على أي شيء آخر". فقد شهدنا انتقال الدول الفاشية في أوروبا واليابان لنظام ديمقراطي في الاربعينات ودول أخرى عديدة بعدها، حتى بداية التسعينات التي شهدت أيضا انتقال معظم دول المعسكر الشرقي من حكم الحزب الواحد إلى الديمقراطية. ولم يبق في العالم سوى قلة من الدول الاستبدادية أهمها دول في الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي باشرت ثوراتها الديمقراطية منذ أربع سنوات.

التعقيد الذي يؤخر الانتقال أن الصراع لا تتجاذبه قوتان رئيسيتان، الأنظمة الاستبدادية من جهة والقوى الديمقراطية الليبرالية من جهة أخرى، إذ أن هناك قوة ثالثة تطرح نفسها بديلا عن الأنظمة الاستبدادية وهي الإسلام السياسي بتنوعاته وفروعه. وصولها للسلطة لم يعد مسالة نظرية، فقد وصلت اليها في عدة بلدان بدءاً من إيران ثم تركيا وأفغانستان طالبان ومؤخرا تونس ومصر. فأصبح ممكناً تقييم أدائها في السلطة وليس منطلقاتها النظرية فقط.

في أفغانستان وصل الإسلاميون المتطرفون الذين يكفرون العالم كله ويعتبرون معركتهم ضده، وبذلك لم يستمروا في الحكم طويلا إذ انهاروا تحت ضربات القوى الكبرى التي من مصلحتها القضاء على خطر الإرهاب الاصولي الذي شن حربه ضد ما يسميه "معسكر الكفر" بغزوة نيويورك دون تقدير للنتائج التي ترتب عليها تدمير امارته الإسلامية السابحة في أوهام عهد "الفتح" وإمكان إعادة عقارب الزمن للوراء بشطب 14 قرنا من التطور العالمي.

في إيران اقام الإسلام السياسي سلطة رجال الدين وعلى رأسها الولي الفقيه المتحكم بسلطات واسعة فوق جميع السلطات الأخرى الرئاسية والتشريعية والقضائية، فشل خلال ثلاثة عقود في مزج سلطة رجال الدين مع ديمقراطية انتخابية أتت برؤساء لم تتعد صلاحياتهم تنفيذ تعليمات المرشد دون امكانية رفضها او تعديلها. كما فشلت جميع محاولات الإصلاح التي حاولها الرئيسان المنتخبان رفسنجاني وخاتمي لتوسيع اطر الديمقراطية للشعب المتذمر من سلطات رجال الدين المطلقة، إلى ان اضطرت أجهزة المرشد الأمنية لتزوير الانتخابات لإنجاح مرشحها احمدي نجاد للرئاسة قطعا للطريق على وصول رئيس يتحدى سلطته، مما نتج عنه انهيار الحاضنة الشعبية للطبقة الدينية الحاكمة وثورة خضراء مليونية عام 2009، ان لم تنجح في اسقاط النظام الديني فقد افتتحت مرحلة جديدة لثورات قادمة اكثر اتقانا للخلاص منه، بعد أن كانت قد أسقطت نظام الشاه بثورتها التي جيرها رجال الدين لصلحتهم.

التجربة في تركيا مختلفة، إذ بعد فشل تنظيمات إسلامية في لعب أي دور رئيسي من خلال الديمقراطية التركية، اتى حزب العدالة والتنمية للسلطة بأغلبية شعبية انتخبته لبرنامجه الذي لا يدعو لتطبيق اية شريعة إسلامية ويقبل العلمانية كفصل للدين عن السياسة وكمنهج أساسي في النظام الديمقراطي، ليميز بين المؤسسات الدينية من جهة، وبين الدولة والحزب كمؤسسات سياسية. أعضاؤه إسلاميون متدينون كأفراد وليس كتنظيم، دعوته الإسلامية تقتصر على حرية أداء الشعائر وإزالة القيود عن ارتداء الحجاب، وحرية التعليم الديني الخاص. قدم الحزب تجربة جديدة لا تمزج بين الشريعة والديمقراطية، خارجة عن نهج الإسلام السياسي التقليدي للإمام البنا وسيد قطب في تطبيق شريعة تتناقض عملياً مع الديمقراطية والحداثة.

أي المساران سلك الإسلام السياسي في ثورات تونس ومصر؟

حزب النهضة التونسي الحاصل على أكبر عدد من الأصوات في اول انتخابات إثر الثورة الشعبية التي أطاحت ببن علي، رغم انه لم يلعب دوراً رئيسياً في انتصارها، توهم انه يمكن ان ينفرد بالسلطة ويبدأ بأسلمة البلاد حسب نهج تطبيق الشريعة الاخواني، مما اصطدم مع غالبية شعبية تونسية عايشت علمانية أرساها الحبيب بورقيبة اول رئيس تونسي عقب الاستقلال، تمثلها كتلة ديمقراطية علمانية، فرضت في النهاية بعد احتجاجات شعبية واسعة تراجع حزب النهضة ليقبل بوزارة جديدة لا يهيمن عليها، وبدستور جديد لا يشرعن لتطبيق الشريعة بل لإقامة نظام مدني ديمقراطي علماني، السيادة فيه للشعب وليس كما يدعي مفسرو النصوص: "الحاكمية لله". وبذلك قبل النهضة بنهج مقارب لحزب العدالة والتنمية التركي، ونأمل ألا يكون ذلك انحناء مؤقتا امام العاصفة الشعبية.

أما في مصر فالإخوان الذين لم يلعبوا دورا رئيسيا في الثورة ضد مبارك بل شاركوا فيها بعد اندلاعها كأحد قواها، استفادوا من كونهم الأكثر تنظيماً وخبرة، للحصول على اغلبية في اول انتخابات رئاسية أتت بمرسي ليس فقط بقوة الإخوان ولكن بدعم كتل شعبية واسعة خشيت من نجاح أحمد شفيق المحسوب على نظام مبارك. وبدل ان يقيموا حكما يضم ائتلافا لكافة القوى المدنية المشاركة بالثورة، تفردوا بالسلطة وبدأوا عملية الأسلمة وتطبيق الشريعة من خلال دستور لا يراعي قطاعات الشعب الرافضة لمثل هذا التوجه، ليواجهوا كما في تونس بهبة شعبية مليونية ترفض هيمنتهم وتطبيقاتهم المنافية للديمقراطية والحداثة. وبدل القبول بالطريق التونسي في التصالح مع القوى الديمقراطية، أصروا على مواجهة التغيير بالقوة، مما مكن لتدخل الجيش المصري لإطاحة مرسي.

وإذا كانت معارضتهم للنظام الجديد تأخذ حتى الآن شكل احتجاجات في الشارع، فذلك لا يعني انهم لم يرحبوا بعمليات إرهابية يقوم بها متشددون إسلاميون يهتدون بالبرنامج الاخواني. ولا يستبعد ان ينزلق التنظيم الاخواني للإرهاب بعد فشله في مواجهات الشوارع، وموقفه المتردد الذي يراوح بين الديمقراطية والإرهاب، إذ سبق لإخوان مصر ان افرزوا "التنظيم الخاص" الإرهابي فيما قبل عهد عبدالناصر وأثناءه، مثلما أنتجوا أيضا تنظيم "الطليعة المسلحة" الإرهابي في سوريا الذي مكن النظام الاستبدادي السوري من تبرير قمعه ليس فقط للإخوان بل لكل القوى الديمقراطية.

وإذا كانت هناك إمكانية لعودة حكم العسكر لمصر من خلال انتخاب السيسي فإخوان مصر يتحملون المسؤولية الأولى في التمكين له لتمسكهم ببرامجهم لتطبيق الشريعة المرفوضة من قطاعات شعبية واسعة، ولرفضهم الائتلاف مع القوى المدنية الديمقراطية والعلمانية التي من الصعب على العسكر مواجهتها عندما تكون موحدة. فائتلاف جميع القوى المدنية الشعبية الديمقراطية والإسلامية أسقط حكم مبارك المستقوي بالعسكر، وائتلاف جديد لهذه القوى بعد قبول الإخوان بالتراجع عن برنامجهم لتطبيق الشريعة، سيمكن من منع عودة العسكر للسلطة من جديد.

أي الطريقان سيسلك إخوان سوريا؟ الطريق التونسي ونموذجه حزب العدالة والتنمية الناجح، أم الطريق المصري ونموذجه النظام الاستبدادي الإيراني؟

الحل الوسط في خلط تطبيق الشريعة مع ديمقراطية انهار في تونس طوعا وفي مصر قسراً وفي طريقه للانهيار في إيران وليس له مستقبل في سوريا. التحاق الإخوان بالديمقراطية يفترض الإقرار بالعلمانية كفصل للدين عن السياسة، والائتلاف مع القوى المدنية الديمقراطية الأخرى في مواجهة حكم العسكر، او في مواجهة منظمات متطرفة إسلاموية تمارس الإرهاب وتسعى لنظام يعيد الاستبداد متسترا بالنصوص الدينية.