فكر الحداثة وتسخيره لثقافة ماضوية

الحداثة بمفهومها الاجتماعي والسياسي والديني ظلت مستبعدة وغير قادرة على اختراق المجتمعات العربية.


بعض المثقفين العرب أعطوا تفسيرات سطحية ويمكن القول شكلية لمفهوم الحداثة


لا يمكن الحديث عن الحداثة بمنظار قديم وبمواقف تجتر الماضي

موضوع الحداثة يشغل بال المثقفين والمفكرين في العالم العربي منذ فترة طويلة، قرأت عشرات المقالات الجادة والعقلانية التي طرحت الموضوع من جوانبه الفلسفية والحضارية، لكن ملاحظتي أن الكثيرين من أصحاب الرأي والفكر لم يخرجوا بنصوصهم عن إطار العلاقة بين الحداثة والأدب. 
طبعا لا يمكن فسخ العلاقة بين الحداثة والأدب، لكن الحداثة بجوهرها لم تبدأ كظاهرة أدبية. إن أكثر ما يشغل أصحاب فكر الحداثة العرب، الذين ولدوا وتثقفوا بإطارها وأضحت تشكل عالمهم الفكري وقاعدة وعيهم الاجتماعي، هي الساحة الأدبية، أي ما يخص الثقافة العربية.
لم نتفق بعد، في ثقافتنا العربية، على تعريف دقيق لهذا المفهوم الذي فرض نفسه على مجتمع شبه قبلي، او قبلي تماما، تسيطر عليه الماضوية، ويبدو الحديث عن الحلم الذي يراود المثقفين العرب، للتخلص من الماضوية التي تعيق انطلاقة المجتمعات العربية نحو آفاق حضارية جديدة، بعيد عن التحقيق، بدل ذلك يتعمق الابتعاد بل ونشهد في الآونة الاخيرة، ازدياد الالتحام بين تيارات دينية والارهاب، أي العودة إلى القبلية والتعصب، وما يشغل العالم العربي ليس العمران إنما الحد من التطرف والعنف الدموي.
بعض المثقفين العرب أعطوا تفسيرات سطحية ويمكن القول شكلية لمفهوم الحداثة، بالقول مثلا إنها "الاختزال والشفافية"، أي يقرنون مفاهيم فكرية فلسفية بعناصر من عالم الأدب، دون التطرق للجذور التاريخية للحداثة من أجل فهم القاعدة المادية والفكرية التي نشأت عليها.
هذا التعريف وغيره من التعريفات اللغوية التي تفتقد للمعرفة، لم تأخذ بالاعتبار جوهر الحداثة. إن الحداثة في الأدب والفكر والحياة، ليست وليدة ظاهرة شكلية، إنما نتيجة عملية لتغيرات وتطورات شملت العلوم والثقافة والاقتصاد والفلسفة، أحدثت تغييرات عميقة في المجتمع البشري، وفي التربية والتعليم، والرقي الحضاري بكل اتساعه الثقافي التقني والعلمي. إن تطور العلوم مثلا أحدث نقلة نوعية غيرت كل الأفكار والمفاهيم البالية، مما تبقى من أفكار القرون الوسطى، وطرحت مكانها أفكار وموازين تعتمد على العقل والمنطق والعلم والمعرفة.
لا يمكن الحديث عن الحداثة بمنظار قديم وبمواقف تجتر الماضي، لا يمكن "اتهام" مقطوعة أدبية بالحداثة لأنها مكتوبة بلغة لا شيء واضح فيها إلا حروف الأبجدية، وجعل الحداثة محصورة في الأدب هذا جهل فاضح، بل غباء مطلق.
الذي يحدث هو خلط مضحك بين المفاهيم والإصطلاحات التي لم تنشأ أصلا في الفكر العربي، وبالتالي مضمون الحضارة الذي نشأ وتطور بإطار تيار الحداثة الأوروبي، لم يخترق المجتمعات العربية، التي ظلت على جهل مريع بمفاهيم الحداثة وشروطها. 

ما زلنا في الشرق متخلفين 200 - 300 سنة على الأقل، عن عصر التنوير وكل صراخنا حول تراثنا وحضارتنا هو تمويه للحقيقة وخداع للنفس

لا أكشف أي جديد بالقول إن جذورها التاريخية تقودنا إلى عصر التنوير الأوروبي، الذي بدأ قبل 300 - 400 سنة، وهو الزمن الذي يفصلنا عن مفاهيم التنوير والحداثة، شئنا ذلك أم أبينا. ما زلنا في العالم العربي نتحدث عن إصلاح برامج التعليم وهي برامج متخلفة بكل المقاييس، متخلفة في العلوم والرياضيات والتقنيات والأبحاث والمهن، يكفي أن أذكر أن ثلثي الحاصلين على شهادة الدكتوراه في العربية السعودية موضوعهم هو الفكر الإسلامي، والثلث الأخير لكل العلوم والمواضيع الأخرى لدرجة أن وزير المعارف السعودي (قبل عدة سنوات) اشتكى من ظاهرة تخريج ملايين شيوخ الدين، وبينما الدولة تحتاج إلى تكنوقراطيين وباحثين وعلماء في مختلف العلوم والأبحاث، وتضطر إلى استيراد خبراء أجانب وتدفع لهم مبالغ طائلة، بينما البطالة بين الشباب السعوديين مرتفعة جدا والتقديرات تقول إنه يوجد مليون سعودي عاطلين عن العمل.
مجتمعاتنا العربية تفتقد لأول شروط الحداثة: التنوير، الديمقراطية والتعددية الثقافية والدينية والسياسية.
جزء من الحداثة يتعلق بموضوع المصارحة والمكاشفة، فهل نستطيع أن نكون صريحين ومتقبلين للآخر المختلف؟
الخطأ أن مفهوم الحداثة جرى حصره بإطار الأدب فقط، ولا أنفي أن للأدب مكانته المهمة في تيار الحداثة، لكنه يبقى تيارا فنيا وليس تيارا فكريا وفلسفيا يمتد تأثيره على مجمل مرافق الحياة والتطور الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والمعرفي.
صحيح أن المفهوم المجازي العام للحداثة في العالم العربي، ظهرت في الشعر تحديدا على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وغيرهما، ثم انتقلت لأشكال الادب المختلفة كالقصة والرواية، وأيضا للفنون بأشكالها المختلفة الأخرى.
الحداثة بمفهومها الاجتماعي والسياسي والديني ظلت مستبعدة وغير قادرة على اختراق المجتمعات العربية.
من هنا ما يطرح من نقاشات حول الحداثة في الأدب أو "اتهام" أدباء بالحداثة، هو تعبير عن عدم فهم لجذور الحداثة وشموليتها.
من الواضح أن المحافظين المتعنتين يحاربون الحداثة، أي يحاربون التغيرات الاجتماعية والثقافية بالتمسك (كما يدعون) بالأصالة والتراث والتقاليد، والسؤال هل تتناقض الحداثة مع الأصالة والتراث؟
أليس التراث وأصالته، هو نتاج حداثي في عصره؟
يبدو واضحا هنا أن رفض الحداثة وطرح التراث مكانها هو طرح سياسي وفكري بالأساس.
لكل عصر مميزاته الاجتماعية والحضارية، والحضارة لا تتوقف في مكان ما مكتفية بما أنجزته، التوقف يعني التخلف عن الحضارات الأخرى، وهذا ما أصابنا في حضارتنا العربية.
من مميزات الحداثة هو قدرتها على نقد ذاتها بعد كل مرحلة، وتصويب الخطأ ومواصلة الانطلاقة. الفكر الحداثي لا يطرح نفسه كفكر نهائي ثابت معصوم عن الخطأ.
مشكلتنا هو جهلنا، وبالتالي رفضنا لمصادر الحداثة أي حركة التنوير الأوروبية التي استفادت في وقته من الفكر العربي وقادت المجتمعات الأوروبية إلى نقلة نوعية في كل مجالات الحياة والتقدم، وهذا لم يحدث في شرقنا، لذلك يبدو لي الحديث عن "الحداثة" ضرب من الفتح بالمندل، ربما يصح القول "كسر الحواجز التقليدية" خاصة في الأدب.
حقا ظهر مثقفون طلائعيون يروجون لفكر الحداثة ولفكر التنوير والإصلاح الشامل لكن بين هذا والحداثة مرحله طويله وشاقة.
هل يمكن تحقيق الحداثة بدون حرية اجتماعية وفكرية؟ بدون مساواة وتعددية ثقافية؟ هل يمكن تحقيق الحداثة بدون دولة مؤسسات ورقابة واستقلال السلطات عن بعضها البعض؟!
ما زلنا في الشرق متخلفين 200 - 300 سنة على الأقل، عن عصر التنوير وكل صراخنا حول تراثنا وحضارتنا هو تمويه للحقيقة وخداع للنفس، ما زلنا عالقين في التخلف.... والصورة تبدو سوداوية، لكن الصورة لم تكن أقل سوداوية مع بداية عصر التنوير الاوروبي!