فكر داعش، 'باقية وتتمدد'...

"فتوطدت العزائم على الاكتفاء به (القرآن) عن كل كتابٍ سواه، ومحو ما كان قبله من كتب العلم في دولتي الفرس والروم، كما حاولوا (العرب/المسلمون) هدم ايوان كسرى واهرام مصر وغيرها من آثار الدول السابقة - فلا غرو اذا قيل ان العرب احرقوا مكتبة الاسكندرية او غيرها من خزائن العلم القديم." (‎تاريخ التمدن الإسلامي - جرجي زيدان - المجلد الثاني‎‎. صفحة 45 - قسم العرب والقرآن والإسلام)

للإنصاف، اعتاد أصحاب الأديان في العصور القديمة نسف واحراق ما هو قبل بهدف تثبيت وترسيخ دينهم الجديد، هذا أيضًا ما يمكن قراءته في الصفحات اللاحقة من الكتاب. الهدف من الاقتباس هو إظهار امتداد هذا الفكر إلى يومنا وعصرنا بشكل جم ومتفشٍ في نفوس الملايين، وهو فكر التدمير ونسف الآخر المتمثل تحديدًا بأصحاب الأيديولوجيات المتطرفة دينية كانت أم غير ذلك. لكن المؤسف هو سعي البعض للتغطية على مثل هذه الأفكار باعتبارها دخيلة على الشرق الأوسط عمومًا والعرب خصوصًا، وفي قول العرب كما كان يقال في العصور القديمة "الاسلام" فكان الإسلام العرب والعرب الاسلام آنذاك. يوضّح الاقتباس أن لا جديد ولا دخيل فيما نراه اليوم من ممارسات التطرف والأصولية والتكفير، فقد تعوّد حملة الفكر على وأد الغير وتصفيته دون حسيب أو رقيب حتى اندثرت حضارات وماتت شعوب، وها نحن اليوم نعيش تمامًا ما عاشه أسلافنا من البشر في كل بقاع الأرض حيث عانوا من الذبح والحرق والتهجير.

يتساءل الكثيرون عن أسباب وعوامل ظهور ونشأة تنظيم الدولة بهذه السرعة وانتشاره وتفشيه في العراق وسوريا على وجه الخصوص، والاجابات ليست صعبة على الاطلاق، لكن البعض من الممكن أن يمتنع عن ذكرها خاصة ممن نارهم على الشاشات وفي الاعلام. يمكن تقسيم الاسباب الرئيسية إلى ثلاثة، وتتفرع بالضرورة إلى أسباب توالت من خلال الأحداث المتتابعة.

القاعدة – الفكر – التأسيس

لا عجب إذا قيل إن تنظيم الدولة لم يظهر فجأة كما يظن الكثير، فقد رأيناه في أوجه كثير أشهرها وأهمّها تنظيم القاعدة، الذي لم يساعده الاعلام ولا موقعه الجغرافي ولا أحداث زمانه في الظهور بثوب "داعش" اليوم. لا حاجة إلى الرجوع لأزمان ولّت كالخلافة العباسية والأموية لشرح تفاصيل ظهور فكر الظلامية والتكفير، يكفي أن ننظر إلى التاريخ القريب الذي نعيشه أو على الأقل عاشه آباؤنا. لا يختلف أسامة بن لادن عن أبي بكر البغدادي، يحملان نفسَ الفكر الاجرامي الاقصائي المتطرف، كما أن "داعش" باعترافه (كتنظيم) منبثق عن القاعدة. لم ينتهِ تنظيم القاعدة عند قتل بن لادن، و"داعش" شكل من أشكاله تابع مسيرة القاعدة بنفس الاسلوب باختلاف الوسائل والظروف، فلو أتيح للقاعدة فتح الحدود، تكنولوجيا، لفعل ما فعله تنظيم الدولة من فظائع.

يستند فكر الدولة أساسًا على مفهومهم الخاص للإسلام ودولة الخلافة، ولسنا بصدد نقاشها أو حتى الخوض في صحة فكرهم من عدمه. الأسّ في القول هو أن أي عملٍ تقوم به الدولة، له من منظورهم مرجعًا دينيًا أو فقهيًا أو نصيًا، ويبقى تفنيد ما يفعلونها ويبيّنوه بالدليل صوريًا ورقيًا إعلاميًا لا يساهم في درء الفعل نفسه.

التأييد – الصمت

"الأمّة الاسلامية"، وأقلّهم بكثير وهم "العرب" لا يرونَ "بداعش" فكرًا، فإذا رأوها كذلك لما حاربوها بالطائرات والعساكر والجيوش. وأصل المشكلة عدم تشخيصها، وسبب التفشي السرطاني اكتشافه متأخرًا. الظنّ بأن داعش مجموعة ارهابية ظلامية وفقط، هو الاشكال الخاطئ وسبب من أسباب انتشار هذا التنظيم بقوة. تنظيم الدولة يحمل مشروعًا كبيرًا يتجاوز المنطقة، يحمل فكرًا يتجاوز التاريخ والزمن، كما أنه لا يتكون من بضع آلاف بل من ملايين شُوّهت أذهانهم لكنهم لم يستطيعوا حمل السلاح لأسباب تتعدد. يعجز العرب عن تطبيق الحديث: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه". وما قالته الأئمة: "الساكت عن الحق شيطان أخرس، والناطق بالباطل شيطان ناطق".

الكثير الكثير يؤيد تنظيم الدولة، يعتبرها نصيرًا للإسلام ومنقذًا لحالهم المظلوم تحت أيدي الأنظمة الأوروبية "الصليبية". وهذا التأييد نابع بالأساس من تفرّعات حركات وكوادر الحركات الاسلامية التي تدعي الاعتدال على رأسها الاخوان المسلمون. بنظرة بسيطة إلى حسابات المئات على مواقع التواصل من القادة والشباب، يمكن استنباط التأييد المبطن للتنظيم دون حاجة إلى دراسة وتعمق.

الردع الهش – الامتناع

لستُ أبدًا من مناصري نظرية أن "داعش" من صنع الغرب، أو أن الحركات المتطرفة جميعها صنعتها أمريكا لتفتك بالشرق الأوسط، لكني من مناصري فكرة أن السياسة تحتّم على هذه الأنظمة انتهاز واستغلال مثل هذه المواقف لتحقيق الغايات. وطالما أن الذي يحارب تنظيم الدولة، يرى بأنها صنيعة أمريكا والغرب، فلن ينجح بالانتصار عليها مهما طال الزمن، لانه بالأساس عاجز عن فهمها وفهم مجتمعه. نعم يمكن أن تمتنع الدول عن محاربة تنظيم الدولة لأسباب سياسية، وكذلك يمكن أن يفعل النظام السوري، السعودي والباقون، وهذا بالتالي ما ساعد التنظيم على بسط السيطرة على مناطق واسعة من سوريا والعراق. البيئة الحاضنة لداعش أساسها فساد النظام العربي بالعموم دون استثناء، ظل يقمع بشعبه وناسه حتى لم يجد إلا التطرف ليحارب به نفسه ودولته. جرّدت الأنظمة شعوبها من كل انتماء، لكنّ الحركات الاسلامية السياسية أتت وحرّكت الانتماء الديني لهذه الشعوب وكانت لهم معيلًا حتى نجح البعض بأخذها إلى منحى إيجابي يخدم فيه دولته، أما الشريحة الكبرى كبرت معها التعصبات واختلفت التيارات ووصلوا إلى ما آلت إليه أفكارهم من دمار وظلامية.

وهذا تأسيس لفكرة أن أساس الحركات المتطرفة حركات غير متطرفة، ينبت فيها بعض الأشخاص مؤثرون بالضرورة، ذوو كاريزما خاصة يستطيعون اقناع الناس بفكرهم، ولا يخلو المجتمع منهم، فهم في غالب الاحيان دارسو لغة وتعبير وبلاغة، ولغتهم في غاية الاتقان والروعة، يستطيعون تفسير ما يريدونه ولا ينقصهم إلى بضعة من الشباب لمجالس تعليمية تلقينية فقهية.

بالاتفاق فرضًا بعدما قيل إن داعش تنظيم يحمل أيديولوجيا، وهي ليست كما يراها الساسة أيديولوجيا القتل والدمار، بل هي أيديولوجيا متطور جدًا ومحكمة الأركان وتأسيسية، يمكن القول إن ليس بالطائرات ولا بالتحالفات تجتث الفكرة، بل بالعلم والتعليم الذي سيأخذ عقودًا من الزمن كي يترسخ في دولٍ إنهارت أساسًا نتيجة الفساد والتوريث والعقلية الرجعية. لذلك يمكن ملاحظة أن أنجح الدول في ثوراتها (رغم فشل كبير بتفاصيلها) كانت هي الدّول التي ثار فيها الشعب المتعلّم، المثقف القارئ الواعي وأبرزها تونس أمّا الدول التي عانت من التهميش والجوع والعطش للغذاء والعلم، فهي التي حوت الحركات المتطرفة بشكل كبير وتدمّرت بلادها وكل مؤسساتها التي لا يخفى على احد، أنها كانت هشة طوال عقودٍ من الزمن.

إذا كانَ الإجمالُ ضروريًا، فأنهي بشعارٍ لم يكترث له أحد ولم يناقشه أحد، وهو "الدولة الاسلامية باقية وتتمدد". بالفعل، لا يمكن أبدًا نسف فكرة نمت على مدار آلاف السنين بسنة أو اثنتين، بل تحتاج لمثل الزمن الذي مضى، وإذا نُسف التنظيم بقيت الفكرة تمامًا كأي فكرٍ آخر، خف تأثير القاعدة فأتى تنظيم الدولة، لربما ينهار تنظيم الدولة وفي بيئته ومحيطه أشباهه، وتمامًا تكون تكون الأفكار بالعموم باقية وتتمدد إذا لم تواجه بأفكارٍ مضادة.