فك الاقتصاد أحد حلول الازمة بين اربيل وبغداد

عامل الوقت ليس في صالح اقليم كردستان فكلما شهر دون تحديد ميزانية للإقليم تضاعف الضغوط السياسية والاقتصادية على حكومة الإقليم لصالح بغداد وطهران.


من غير المتوقع ان يمرر البرلمان اي اتفاق بين بغداد واربيل في موضوع الموازنة


العراق بحد ذاته يعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة دفعته لاقتراض مليارات الدولارات داخليا


لا يمكن إبعاد التأثير الإيراني على التظاهرات التي خرجت في السليمانية

تمر اربيل وبغداد حاليا بظروف استثنائية غاية في الاهمية، قد ينظر اليها البعض بنظرة تشاؤمية، الا ان الظروف الاستثنائية عادة ما تكون سبيلا لحلول واقعية تنتهي بانفراجات غير متوقعة، قد تؤسس لطبيعة علاقة جديدة بينهما، بعد ان وصلت الازمة الاقتصادية لكليهما الى مستويات تستوجب اتخاذ قرارات حاسمة وشجاعة لحلها، ومن خلال الحلول الاقتصادية يمكن التوصل الى عقد سياسي جديد لحل المشاكل السياسية المتعاقبة ايضا بين الطرفين.

رغم المماطلة التي تمارسها بغداد منذ سنوات لعدم التوصل الى حلول فيما يخص حصة كردستان من الموازنة الاتحادية، فان حكومة كردستان لا تزال تأمل بالتوصل الى اتفاق مع الاطراف السياسية في بغداد، وعلى ضوء ذلك اتخذ القرار بارسال وفدين احدهما حكومي ( =غادر اربيل الى بغداد اثناء كتابة هذا المقال) ووفد اخر سياسي يتألف من رؤساء الاحزاب الكردية سيتم سفرهم في وقت لاحق. وفي الحقيقة لا اجد مبررات كافية تجعلني اشارك حكومة كردستان واحزابها تفاؤلهم بإمكانية التوصل الى حلول مع العراق، واجد ان كل هذه السفرات المتلاحقة الى بغداد هي مضيعة للوقت لاسباب كثيرة من اهمها:

أولا، طبيعة الاجواء السياسية المتوترة حاليا في بغداد، بوجود حكومة غير منسجمة مع محيطها السياسي المتمثل بالاطراف السياسية الشيعية التي تشكل اغلبية البرلمان العراقي، نتج عنها تباين واضح بين توجهات الحكومة (السلطة التنفيذية) وتوجهات البرلمان (السلطة التنفيذية) التي تعرقل اعمال الحكومة، ومن غير المتوقع ان يمرر البرلمان (باغلبيته الشيعية) اي اتفاق بين بغداد واربيل في موضوع الموازنة الذي سيعزز مكانة الكاظمي السياسية وتزيد من حظوظه في الانتخابات القادمة، خاصة وان هناك بدعة جديدة في البرلمان العراقي وهي ما يحاول قادة الاحزاب تسويقه من فكرة ان البرلمانيين الحاليين لا ينقادون لتوجهات كتلهم واحزابهم، مما يسهل على قادة الاحزاب التخلص من اي احراج سياسي امام رفاق النضال القديم من القادة الكرد.

ثانيا، اي اتفاق على ميزانية الاقليم وتمريره في البرلمان سوف يؤدي الى تاسيس تحالف طويل الامد بين الكاظمي واحزاب اقليم كردستان على حساب علاقات الاحزاب الشيعية العتيدة، مما ستعزز كذلك من حظوظ الكاظمي في اي انتخابات قادمة.

ثالثا، العراق بحد ذاته يعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة دفعته لاقتراض مليارات الدولارات داخليا وقد يضطر للاقتراض كذلك مستقبلا، لذلك فمن غير المتوقع ان يفسح البرلمان العراقي المجال للاقليم بالاستفادة من حصته في هذه القروض.

رابعا، رغم علاقات الكاظمي الجيدة مع كردستان، الا انه لا يمكن استبعاد استخدام الكاظمي موضوع حصة كردستان في الموازنة كحصان طروادة لتحسين علاقاته مع الاطراف الشيعية المؤثرة، فالمماطلة التي يمارسها الكاظمي مع كردستان في هذا الملف قد يكون مؤشرا لتنسيق بينه وبين الاطراف الشيعية بهذا الصدد.

خامسا، ما يكشف سوء نوايا بغداد تجاه كردستان هي تلك القوانة (الأسطوانة) المشروخة التي داب البعض على ترديدها.. وهي عدم معرفة بغداد بالكميات التي يصدرها اقليم كردستان الى الاسواق الدولية، وهذا عذر مضحك يكشف كم ان بغداد وحكومتها غير جادة في حل هذا الملف، والا فان معرفة كميات النفط المصدرة من كردستان ليس بالأمر الصعب، ويمكن معرفتها من خلال كوادر ثانوية (موظفين) يتم ارسالهم الى ميناء جيهان لمعرفة كميات النفط المصدر مثلما هو الحال مع انبوب النفط العراقي هناك، ولا يمكن ان تكون هذه النقطة معرقلة للتوصل الى اتفاق، اضافة الى وجود شركة عالمية تنشر كمية النفط المصدر من كردستان بشكل دوري، لذلك فان ادعاء عدم معرفة كميات الصادرات النفطية الكردستانية ما هي الا حجة تتذرع بها بغداد لرغبتها اصلا في عدم ارسال حصة كردستان من الموازنة.

يقترح بعض الساسة والمراقبين في كردستان بتوجه حكومة الاقليم الى ايران واجراء مباحثات معها بغية الضغط على بغداد للتوصل الى اتفاق معها، متناسين ان كل المشاكل السياسية بين بغداد واربيل منذ الالفين وثلاثة كانت باخراج ايراني وتوجهات ايرانية للأطراف الشيعية العراقية، فمن المعروف ان ايران تعتمد على اثارة المشاكل الداخلية في اي منطقة او دولة تتحسس منها تهديدا سواء كان التدهور هذا امنيا او سياسيا او اقتصاديا، وهذا ما دابت عليه في العراق منذ دخول الاميركان في 2003، فمن ادخال القاعدة الى المناطق السنية في العراق الى تعاملها مع ملف التظاهرات المدنية التي اجتاحت العراق في عهد عادل عبدالمهدي، وانتهاء بتداعيات مشكلة سنجار وتظاهرات السليمانية قبل ايام. فاخطر ما يواجه ايران حاليا هو مخاوفها الامنية والعسكرية من اية خطوة اميركية اسرائيلية خليجية ضدها، وهي تعتبر كردستان من المناطق التي قد تشكل مصدر تهديد لها من هذه الناحية، ولكي تضعف من وطاءة هذه الاحتمالية فالحل الافضل امامها هو خلق اضطرابات سياسية واقتصادية وامنية في كردستان.. ولذلك فبعد توصل حكومة بغداد واربيل الى اتفاق برعاية اممية واميركية لمشكلة سنجار، تحركت ايران لاجهاض الاتفاقية من خلال السماح للقوات العراقية بالدخول الى المدينة دون مواجهات بين تلك القوات والعناصر التابعة لحزب العمال التركي (بي كي كي)، وتم الاعلان عن خروج عناصر البي كي كي من المدينة، ثم ما لبثوا ان عادوا للتواجد في المدينة، وبذلك اجهضت اتفاقية سنجار في الفقرة التي تهم كردستان وهي رجوع قوات البيشمركة اليها، وبقيت سنجار بيد القوات العراقية فقط وتواجد عناصر البي كي كي وعناصر الحشد الشعبي.

كذلك لا يمكن ابعاد التاثير الايراني على التظاهرات التي خرجت في السليمانية قبل ايام بالتنسيق مع خلايا البي كي كي الموجودة في السليمانية، وقد كشف اعضاء في الاتحاد الوطني واهالي المدينة هذه الحقيقة. لذلك فلا يمكن اعتبار ايران عاملا ايجابيا في توصل بغداد واربيل الى حلول لمشاكلهم بل العكس هي تدفع باتجاه توتير هذه العلاقة.

ليس من باب التنبؤ او قراءة المستقبل لكن لمعرفتنا بطريقة تفكير النظام الذي يحكم بغداد حاليا، نستطيع ان نؤكد بان اية زيارة يقوم بها اي وفد كردستاني الى هناك سواء كان حكوميا او سياسيا لن يحقق اية نتائج، واعلى سقف يصلون اليه مع بغداد هو تشكيل لجان فنية لا تسمن ولا تغني من جوع. ولكي يستطيع اقليم كردستان مواجهة الازمة الاقتصادية والسياسية والامنية التي تواجهه فهو مدعو (حكومة واحزابا) الى اعلان حالة طواري (سياسية) من خلال النقاط التالية:

اولا/ ترميم البيت الداخلي الكردي وتصفير المشاكل بين احزابه بوضع عقد سياسي جديد يجمع كل تلك الاحزاب.

ثانيا/ تشكيل لجنة السياسات العليا تتالف من رؤساء الاحزاب الكردية، تكون مكملة لمهام البرلمان الكردستاني الذي اثبت عدم فعاليته في مفاصل سياسية مهمة مر بها الاقليم.

ثالثا/ بدلا من اضاعة الوقت في تشكيل لجان تتمخض عن اجتماعات الطرفين ( بغداد واربيل) والتي لن تفضي الى اية نتائج، يصار الى الاعلان عن فشل المفاوضات بين اربيل وبغداد حول حصة كردستان من الموازنة الاتحادية، ووضع العراق امام مسؤولياته في الانتقال الى مفاوضات فك الاقتصاد الكردستاني عن العراق بأشراف دولي، وفي نفس الوقت العمل على المجالات الاقتصادية التالية:

*/ وضع سلم جديد لرواتب موظفي كردستان.

*/ السيطرة على المنافذ الحدودية كلها دون استثناء واخراج جميعها من سيطرة الاحزاب.

*/ تاسيس نظام ضريبي جديد في الاقليم.

*/ انهاء تداول العملة العراقية في كردستان بشكل مباشر او تدريجي والاستعاضة عنها بالدولار الاميركي او اليورو.

*/ الاعلان عن حق كردستان في تصدير نفطه الى الاسواق العالمية بحرية دون اية عراقيل من بغداد.

*/ تأميم المطارات الكردستانية وفصلها عن الخطوط الجوية العراقية، والتعامل مع شركات الطيران بشكل مباشر حول الاجواء الجوية في كردستان.

*/ تشكيل هيئة اتصالات جديدة واصدار قانون خاص للتعامل مع شركات الاتصالات سواء شركات الهاتف او الانترنت.

*/ الاهتمام بالمجال الزراعي والصناعي لا يكون فقط بتشجيع المشاريع الصناعية والزراعية كما دابت على ذلك حكومة اقليم كردستان وانما بتوفير قنوات تصدير للمحاصيل الزراعية والمنتوج الصناعي، وذلك من خلال مد شبكة سكة حديد تربط محافظات اقليم كردستان بميناء ميرسين التركي ومنه الى العالم، وكما وضحنا ذلك في مقال سابق.

ان عامل الوقت ليس في صالح اقليم كردستان فكلما مر شهر دون تحديد ميزانية للاقليم تتضاعف الضغوط السياسية والاقتصادية على حكومة الاقليم وبالتالي تدفع بها الى المزيد من التنازلات للجانب العراقي وهذا ما تراهن عليه بغداد وكذلك طهران.