فلاسفة يوقظون العالم

مصطفى النشار يعرض للدور الذي قام به فلاسفة من مختلف العصور والحضارات في التأسيس للحضارة الإنسانية والفكر الإنساني عبر التاريخ وإثراء الفكر والمعرفة الإنسانية.


المؤلف يدافع عن الدور الذي قام به الفلاسفة في عصورهم على امتداد التاريخ البشري


الفكرة الفلسفية في صالحة للتأمل في كل زمان ومكان

القاهرة ـ من أحمد مروان

في كتابه "فلاسفة أيقظوا العالم" يعرض د. مصطفى النشار للدور الذي قام به واحد وعشرون فيلسوفاً من مختلف العصور والحضارات في التأسيس للحضارة الإنسانية والفكر الإنساني عبر التاريخ وإثراء الفكر والمعرفة الإنسانية.
ويعتبر المؤلف أن كتابه بمثابة محاولة منه للرد على من يصفهم بـ "العامة وأنصاف المثقفين"، الذين تشيع على ألسنتهم عبارات عدائية ضد الفلسفة والفلاسفة، والمزاعم التي يروّجها هؤلاء مؤداها أن الفلسفة هي مجرد خيالات وأضغاث أحلام، وسباحة في عالم من الكليات العقلية التي تشغل الناس عن الواقع المحسوس، وتلهيهم عن ممارسة حياتهم العادية وتدبير شؤونهم.
ويدافع المؤلف عن الدور الذي قام به الفلاسفة في عصورهم على امتداد التاريخ البشري، فيقول: إن "الفلاسفة هم قوم أرقتهم دائماً مشكلات عصورهم، فحاولوا قدر جهدهم التغلب عليها وتقديم الحلول لها، وإن ما كان يحدث هو أن معاصري هؤلاء الفلاسفة كانوا عندما يعجزون عن فهم الحلول التي طرحها الفلاسفة لمشكلات عصورهم، كانوا يقفون مثل حجر عثرة في طريق تطبيق هذه الحلول المطروحة" على حد قول المؤلف.
الفكرة الفلسفية
كما يعتبر المؤلف أن أبرز خصائص الفكرة الفلسفية هي أنها فكرة مميزة أو أصيلة إن ارتبطت في ظهورها بظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية، وأن هذه الفكرة الفلسفية في حد ذاتها صالحة للتأمل في كل زمان ومكان، كما أنها صالحة لأن تكون نبراساً هادياً لكل من يعانيها ويهتم بها.

الحضارة الشرقية كانت باعثاً لأن تخرج أوروبا من فترة الإظلام التي كانت تعيش فيها، وأن تستفيد من "معجزة الحضارة العربية" كما وصفها سارتون

ويهاجم المؤلف أصحاب مقولة "بلاش فلسفة"، وهم من يظنون أنهم بهذه المقولة يحمون أنفسهم ومجتمعاتهم من "هم الفكر" و"خيالات الفلاسفة"، ويعتبر المؤلف أنه كلما زاد عدد هؤلاء من أصحاب مقولة "بلاش فلسفة" في أي أمة، كان ذلك علامة على انحطاط هذه الأمة وتدهورها، وانعدام دورها في صنع واقع أفضل ومستقبل مشرق لنفسها أو للبشرية.
كما يؤكد المؤلف في هذا الصدد على أن "أمة بلا حضارة هي أمة كل همها فقط هو ملء بطون أبنائها من خلال عمل يدوي ما خلق الله الإنسان من أجله فقط"، ويشدّد على أن الإنسان وعى منذ حضارته الأولى أنه إنما خُلق ليكون كائناً حضارياً، ولينشئ مجتمعاً به العلم والفكر والأخلاق والآداب والفنون إلى جانب الصنائع اليدوية المختلفة، فما كان لأي مجتمع أن يرقى بالصنائع اليدوية فقط، وما كانت أي حضارة لتقوم لو لم ترق بفكرها ورؤيتها الحضارية لنفسها وللعالم من حولها قبل أن تعطي اهتماماً، خاصة للعمل اليدوي والجهد المادي سواء في الإنتاج أو الحرب.
وأشار المؤلف إلى أن المصريين القدامى الذين سادوا العالم وصلوا لهذه المنزلة من خلال رؤية (فكرية - علمية - أخلاقية - دينية) وأن هذه الرؤية واكبت عملهم الدؤوب فأصبحوا سادة للعالم. كما عرفت الحضارة اليونانية بدور فلاسفتها في التأسيس للحضارة الإنسانية، التقطت الخيط من الحضارة المصرية القديمة، ومن حضارات شرقية أخرى مثل الحضارة الهندية، ولذلك فقد نجحت الحضارة اليونانية في أن تبلور لنفسها فكرية حضارية متميزة تسعى نحو التجديد والتنظير.
وبعد الحضارة اليونانية أشار إلى حقبة ازدهار الحضارة الإسلامية، وحيث ملأت الحضارة الإسلامية مكان الفراغ في العصر الوسيط كحضارة أساسية في هذا العصر، ومع بداية هذه الحقبة الحضارية شهدت الجزيرة العربية دفقة حضارية عملاقة وفريدة، كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو دافعها وباعثها بما أنزل الله عليه من آيات محكمات في القرآن الكريم. 

فلسفة وفلاسفة
طبقات الفلاسفة

كما أشار إلى ما كان يقوم به المؤرخون المسلمون في هذه الحقبة المزدهرة من تاريخ الحضارة الإسلامية، عندما كانت كتبهم تؤرخ للإنجازات الفكرية والعلمية والدينية، مثل (طبقات اللغويين)، و(طبقات الحكماء)، و(طبقات الشعراء)، و(طبقات الفقهاء)، و(طبقات الصوفية)، في حين لم يعط المؤرخ الإسلامي نفس الاهتمام للكتابة عن قادة الجيوش الإسلامية أو الفاتحين مثل عمر بن العاص أو خالد بن الوليد أو سعد بن أبي وقاص، وهو ما يعتبره المؤلف دليلاً على أن المؤرخ الإسلامي يعي تماماً أن الحافز وراء الفتوح والتوسّع للدولة الإسلامية كان هو الفكر والحكمة والدين الذي تقوم عليه الدولة وليس قادتها العسكريين.
ويعرض المؤلف لمرحلة انتقال السيادة الحضارية من العالم الإسلامي إلى أوروبا، بعد أن تلقفت أوروبا الحضارة من الشرق الإسلامي في مطلع العصر الحديث، لدرجة أنهم يعتبرون أنفسهم من المفكرين والمؤرخين الغربيين، وأن الحضارة الشرقية كانت بالنسبة لهم باعثاً لأن تخرج أوروبا من فترة الإظلام التي كانت تعيش فيها، وأن تستفيد من "معجزة الحضارة العربية" كما وصفها سارتون.
تضمّن الكتاب مقدمة وأربعة أبواب، الباب الأول بعنوان: فلاسفة شرقيون، ويضمّ: إخناتون الملك الفيلسوف، وكونفشيوس وأخلاق الوسط.
والباب الثاني بعنوان: فلاسفة يونانيون، ويضمّ: بروتاجوراس (فيلسوف التنوير)، سقراط (والموت في سبيل الحقيقة)، أفلاطون (والكهف)، أفلاطون (والحب)، أفلاطون (والفن)، أرسطو (واكتمال المشروع الحضاري).
والباب الثالث جاء بعنوان: فلاسفة إسلاميون، ويضمّ: الفارابي و"أصالته السياسية"، والغزالي و"أسلمة نظرية المعرفة"، وابن خلدون و"فكرة العصبية".
أما الباب الرابع فحمل عنوان: فلاسفة غربيون محدثون، ويضمّ: مكيافيللي و"الأمير"، وبيكون و"الأوهام الأربعة"، وديكارت و"شيطان الشك"، وجون لوك و"الليبرالية"، وفولتير و"التنوير"، وروسو و"العقد الاجتماعي"، وكانط و"نقد العقل"، وهيجل و"عقلانية التاريخ".
بالإضافة إلى الباب الرابع الذي جاء بعنوان: فلاسفة غربيون معاصرون، ويضمّ فصلين هما: ماركس و"المادية التاريخية"، وشبنجلر و"بيولوجية الحضارة".
يذكر أن كتاب "فلاسفة أيقظوا العالم"، للدكتور مصطفى النشار، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة ، ويقع في نحو 505 صفحة من القطع المتوسط . (وكالة الصحافة العربية).