فلسطين... طائر الفينيق والبراق
كما ينهض الفينيق من رماده، هكذا ينهض شعب فلسطين من كل محاولة للقهر والإبادة، صامدًا، ومحتفظًا بوعيه وكبريائه، وحاملًا رسالة السلام للبشرية جمعاء، ومتجاوزًا كل وصاية واحتلال، كما يحلق البراق إلى السماء بلا حدود.
في لحظات الصمت الطويل، حين تبدو الأصوات حولنا مجرد صدى بعيد، ندرك أن الكتابة ليست ترفًا، بل صمام أمان. هي الوسيلة التي نعيد بها ترتيب الأفكار، ونُفرغ بها الضغط الذي يُثقل عقولنا وقلوبنا. في خضم الضيق والقهر، تتحول الكلمات إلى مساحة صغيرة من الحرية، لتصبح نافذة تُطل على ما يمكن أن يكون، حتى لو كان الواقع مُحاصَرًا بالوصاية والسيطرة.
نحن لم نعتَدِ على أحد، ولن نعتدي، وكل ما دون ذلك ادعاء باطل. نحن نفخر بتاريخنا الممتد لآلاف السنين، تاريخ لم يركع لأحد ولم يخضع لأي احتلال أو وصاية. قدمنا العلم والعون والحضارة للعالم، ونحن من أوائل الحضارات التي صاغت أُسس المعرفة الإنسانية. لم ينسَ التاريخ، ولا يجب أن ينسى ذلك من لم يقرأه: فلسطين هي مهد الأديان وبوابة المعراج إلى السماء، أرضٌ حملت رسالة الإنسانية والفكر والإبداع منذ الأزل.
الشعب الفلسطيني، رغم سنوات المكابدة والوصاية، يحمل في داخله مخزونًا هائلًا من الوعي والمعرفة. نحن نعرف العالم، نقرأ تحركات الأصدقاء والأعداء، نفهم التوازنات الدولية، ونُدرك كيف تُصاغ القرارات بعيدًا عنا. ومع ذلك، بقيت هذه الطاقات مكبوتة، محبوسة في دائرة من السياسات التي تهدف إلى استمرارنا على قيد الوجود، لا على قيد اتخاذ القرار.
نرى العالم يتباكى علينا، ويُعلن التعاطف عبر الإعلام، لكنه لا يمنح الحقوق الأساسية: حق تقرير المصير وحق اختيار من يمثلنا، لا من يُفرَض علينا. الوعي الذي نحمله ليس غرورًا، بل كبرياء من رحم المعاناة. نحن شعب حُرّ، نُحب السلام ونسعى له للبشرية جمعاء، لكننا نكره ونرفض الوصاية والاحتلال، وهما جزء من كينونتنا، مُتأصِّلان كالأحماض النووية في جيناتنا. يجب أن يفهم العالم هذا التناقض: نحن دعاة سلام للعالم، وفي نفس الوقت أمة لا تُدار ولا يُوكَل أمرها بغير إرادتها.
الواقع يفرض علينا أن نضع الكرامة المعيشية أولًا. فالعيش بكرامة، حتى ضمن حدود بسيطة، يمنح القدرة على الصمود والتفكير، بينما غيابها يَحصر المجتمع في دائرة استهلاك ما يُعطَى له، ويجعل الحديث عن الحرية والاستقلال مجرد شعارات جوفاء. الاستقلال الحقيقي لا يولد في فراغ، يحتاج إلى إنتاج وبنية مؤسسية ووعي جماعي، وكل هذه العناصر غالبًا ما تكون مُقيَّدة أو مفقودة.
لكننا، رغم القيود، نحتفظ بالمادة الوراثية للفكر والعمل داخلنا. نمرض، نعم، لكن لا نموت. كل أزمة تصنع قدرات جديدة، وتُبقي العقل حيًّا، والوعي مُتَّقِدًا، والطاقة مكتومة تنتظر اللحظة المناسبة. الكتابة، التفكير، الملاحظة، والوعي الجماعي، كلها أدوات للحفاظ على هذه الطاقات، لتكون جاهزة حين تَسنح الظروف للتحرك الفعلي.
في النهاية، ليس المهم أن يعرف العالم حجم معاناتنا أو عبقرية أفكارنا، بل أن نبقى نحن أحياء بفكرنا ووعينا، نكتب، نُبدع، ونحتفظ بكرامتنا ولو في أصغر هامش حرية. هذا الهامش هو ما يجعلنا قادرين يومًا ما على تحويل الكبت إلى فعل، والأفكار المكبوتة إلى واقع مستقل. نحن شعب حُرّ وشجاع، نُحب السلام ونسعى له للبشرية جمعاء، ونرفض لغة الاستكبار، وهما جزء من كينونتنا، فلن يُحدِّدوا إرادتنا. رغم الإبادة والترويع، لن نبرح، ولن تختفي ذاكرتنا أو وجودنا تحت التراب، لأن هذا الحق في الحرية والاستقلال والسلام والاستقرار جزء لا يتجزأ من كينونتنا وشرفنا.