فوزية العشماوي بين بحر اسكندرية وبحيرة جنيف

ثلاثة أقسام وملحق للصور

حين سمعت أمى أولى صرخاتي، وتأكدت من القابلة أنها وضعت أنثى، قالت لها بصوت مبحوح من أثر الصراخ حين المخاض: "سيبي سرتها".

سمع أبي من وراء باب الغرفة أولى صرخاتي، فتح الباب وسمع الحكم بالإعدام الذي أصدرته علىّ أمي قبل أن تراني!

قال الرجل الطيب للقابلة: "إوعي تإذى البنت، وإلا أوديكى فى داهية".

واقترب من فراش الوالدة الباكية من سوء ما بشرت به، وقال لها بصوت اجتهد أن يجعله متسامحا: "حمدًا لله على سلامتك".

نظرت إليه المرأة المخذولة بخلفتها للبنات، وقالت بانكسار: "بنت ثالثة يا سي عبده، ليه بس يا ربي؟".

أجابها بانفعال: "كل اللي يجيبه ربنا كويس، وله فى ذلك حكم، مين عارف يمكن الخير ييجي بقدومها".

بهذا المشهد الدرامي الشائق رسمت لنا الدكتورة فوزية العشماوي صورة إنسانية بديعة للحظات ميلادها الذى تم في صباح يوم مشرق في بداية شهر أكتوبر في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، من أم مصرية ذات جذور سورية، وأب مصري إسكندراني أصيل من حي السيالة في منطقة رأس التين.

لكنه لن يكون مشهدًا واحدًا شائقًا مرسومًا بهذه الحميمية الإنسانية الدفاقة، فمشاهد لا حصر لها من دراما حياتها ستتوالى في هذه السيرة الذاتية التي ضمتها دفتا كتابها "أمواج العمر.. بين بحر إسكندرية وبحيرة جنيف"، الصادر مؤخراً بالقاهرة عن دار العين للنشر، فها هي تمنيات الوالد بانتظاره للخير على قدوم هذه البنت الثالثة، التي هي الدكتورة فوزية، تتحقق.

كان الوالد يعمل بتجارة "البورسلين" الفاخر أو الصينى، كما يطلق عليه العامة، فكان يستورده من تشيكوسلوفاكيا ويبيعه بالجملة وبالقطاعي.

تقول الدكتورة فوزية العشماوي: "حين رزق بي أبي كانت الحرب العالمية الثانية على أشدها، والحالة الاقتصادية في مصر عصيبة جدا من جراء تعطيل البواخر، وعدم وصول البضاعة من الخارج، لكن أبي كانت لديه بضاعة قديمة فى المخازن، فأفاد من تخزينها، وباعها بأضعاف ثمنها بعد انتهاء الحرب، فازدادت أرباحه.

وكان الرجل الطيب يُرجع سعة الرزق إلى مولدي، ويرى أننى أحضرت الخير والفرج معي ".

ويتواصل قدوم الخير على هذا الوالد الذي رضي بما قسمه الله له من خلفة البنات، وآخرهن فوزية، فتقوم ثورة يوليو 1952، ويشجع جمال عبدالناصر الصناعة المصرية، ويمنع الاستيراد من الخارج، ليتحول نشاط هذا الوالد إلى التصنيع، وينشئ مع أحد الفنيين في صناعة الألومونيوم أول مصنع للأدوات المنزلية من هذا المعدن في الإسكندرية.

ويكلل هذا الخير، وبعد طول انتظار، بقدوم المنتظر، فبعد خمس سنوات من ولادة الدكتورة فوزية يأتى الولد الذكر، لتتم سعادة هذا الوالد الطيب.

وفي الوقت الذي نشعر فيه بحميمية كلام صاحبة السيرة عن والدها نجدها وقد وضعت الأم في مرمى سهام نقدها، فهي لم تنس أبدًا أن هذه الأم قد أمرت القابلة بفك سرتها كي تموت، كما أن الأمر قد زاد سوءًا عندما رزقت هذه الأم الولد الذي أولته معاملة خاصة، ودللته زيادة عن الحد والوصف، وزاد إهمالها لشقيقاته البنات، ولم تعد ترى في الدنيا سوى مولودها هذا الذي أصبح المحور الذي تدور حوله حياة الأسرة بأكملها.

جاءت هذه السيرة في ثلاثة أقسام وملحق للصور؛ الأول "أمواج بحر إسكندرية"، والثاني "أمواج بحيرة جنيف"، والثالث "أمواج المشاهير".

اهتم الجزء الأول بطفولة صاحبة السيرة، ثم مراهقتها، وأيام شبابها، التي قضتها كلها في مصر على ضفاف بحر الإسكندرية.

بينما سجل الجزء الثاني فترة اغترابها في سويسرا التي طالت لأكثر من نصف عمرها الذى يشرف الآن على السبعين، ونجاحاتها هناك، وتأملاتها في هذا الاختلاف الذي يمايز بين الشعوب، وما يؤدي إليه من تعصب، ثم الحنين إلى وطن الطفولة والمراهقة والشباب والحب.

أما الجزء الثالث فقد صور علاقاتها ببعض المشاهير المحليين والعالميين أيضًا، ثم تتناول حياتها بعد أن انتهت غربتها في أوروبا وعودتها إلى مصر كي تستقر فيها، ودهشتها مما صار إليه الوطن من تردٍ بعد غربة عنه امتدت أربعين عامًا.

ولعل من أطرف ما جاء في هذه السيرة هو ما روته الدكتورة فوزية العشماوي عن ذلك اليوم المشهود في تاريخ الإسكندرية، يوم رحيل الملك فاروق بعد رضوخه لطلب الضباط الأحرار بمغادرة مصر.

تقول: "كنت طفلة في العاشرة من عمري، وعند الغروب جلست أتأمل منظر قرص الشمس وهو يسقط ويتلاشى في البحر، وكنت أحب هذا المنظر جدًا، ولفت نظري الازدحام والهرج والمرج والأصوات العالية والهتافات، ولم أفهم ما يحدث، وسمعت أصواتًا عالية من الناس المتجمهرة في الشارع، ورأيت من بعيد باخرة صغيرة تبحر، وسمعت طلقات المدافع السبع، وهتافات وتصفيقًا وصراخًا، وتهليل الجيران في الشرفات وهم يهتفون: "عاشت الثورة.. ربنا ينصرهم.. يعيش محمد نجيب.. ويغور الملك والفساد.. ارموا وراه قلة وزير. إلهى ما يرجعه".

أما أشجن وأحزن ما جاء في سيرة فوزية العشماوي فهو موقفها من والدها فى أخريات أيامه، عندما مرض ولم يستطع العمل فتعرض للإفلاس، وكانت هي تعمل بعد تخرجها، وكانت أثناء دراستها الجامعية مخطوبة لزميل أحبته، وكانت قد استطاعت توفير ثمانمائة جنيه استعدادٍا لسداد نفقات الزواج، فطلب منها أبوها أن تعطيه هذا المبلع المدخر لفك ضائقته، إلا أنها أبت، وهو الذي أنفق على تعليمها في المدارس الخاصة، وكان يعطيها أكثر مما يعطى أحدا من أخوتها.

تقول صاحبة السيرة: "مات أبي بحسرته، وبقيت طوال العمر أبكى ندمًا على رفض مساعدته، مات أبي، وتركنى للندم وتعذيب الضمير، ولن أغفر لنفسي أبدًا موقفي من أبي".

وفي بداية صيف 1972 غادرت فوزية العشماوي مصر لأول مرة في حياتها متجهة إلى سويسرا، بصحبة طفليها، وهي شابة في الثلاثين، وكان زوجها قد سبقها إلى هناك بستة أشهر.

وعندما وصلت إلى جنيف انبهرت بكل شئ فيها، فهي: "مدينة جميلة كثيفة الخضرة بها حدائق ضخمة في كل حي من أحيائها، وتطل على بحيرة في أجمل منظر للمدينة من فوق الجسر الذي يقسمها شطرين، وهو جسر "مون بلان" الذي يرتفع فوق البحيرة الضخمة وكأنها بحر، لأنهل ممتدة حتى الأفق البعيد، ولا يتصور الناظر إليها أنها مستديرة، في وسطها لسان صخري طويل، وفي نهايته ترتفع نافورة جنيف الشهيرة كرمز، مثل "برج إيفل" رمز باريس، و"ساعة بيج بن" رمز لندن، و"تمثال الحرية" رمز نيويورك".

في هذه المدينة السويسرية التقت فوزية العشماوي بكثير من الشخصيات العربية والعالمية البارزة، فلقد كانت مدينة جينيف ملتقى دوليًا وثقافيًا وفنيًا تعقد فيها كثير من المؤتمرات الدولية المهمة، فمكنها عملها هناك كمترجمة ثم مستشارة ثقافية في سفارة كل من المملكة العربية السعودية، ثم سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة، وبحكم عملها أيضًا أستاذة للغة العربية والحضارة الإسلامية في كلية الآداب بجامعة جنيف، ورئيسة الجالية المصرية في سويسرا، من الالتقاء بهذه الشخصيات ذات التاثير العالمي، تذكر صاحبة السيرة: الرئيس الراحل محمد أنور السادات وزوجته جيهان السادات، الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الملكة نور زوجة الملك حسين ملك الأردن الراحل، الملكة رانيا حرم العاهل الأردني الحالي، الملكة سبيكة حرم ملك البحرين، الشيح حمد بن خليفة ملك البحرين، الرئيس السويسري فلافيو كوتي، الرئيسة السويسرية روت درايفوس، الرئيس السويسري باسكال كوشبان، الرئيس الجزائري السابق أحمد بن بلا، الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي، الدكتور بطرس غالي الأمين العام الأسبق لمنظمة الأمم المتحدة، وغيرهم الكثير من الأدباء والشعراء.

لكنها تسجل سيرتها وعين الرقيب مسلطة عليها، على الرغم من أنها قرأت بالتأكيد العديد من سير الغربيين واعترافاتهم، ولمست كيف أنهم لا يخفون سرا طالما أنهم تصدوا لكتابة هذه النوعية من الأدب، ولأنها تعلم أن نقدا سيوجه إليها من قارئ سيرتها، التى كادت تخلو من الاعتراف باستثناء كشفها عن طبيعة مشاعرها نحو والدتها، وموقفها المتسم بالقسوة من والدها فى أخريات عمره، والذى تندم عليه حتى اليوم، فإنها تبادر بالفول: "ليست عندى ذكريات تشيننى مثل جان جاك روسو، الذى ذكر فى اعترافاته أشياء تشينه كنزعته إلى التعرى وكشف عورته فى الطريق العام أمام النساء والأطفال، كذلك لم يخجل من أن يذكر تفاصيل علاقته غير الشرعية بخادمته التى أنجبت له خمسة أولاد أودعهم جميعا فى ملجأ الأيتام فور ولادتهم، ولم يكلف خاطره مرة واحدة بالسؤال عنهم، ولكنه ندم فى أواخر حياته على هذا التصرف الشائن بالتخلى عن فلذات كبده، ولم يستطع بعد ذلك العثور عليهم أو معرفة ماذا كان مصيرهم، ولكن بعد فوات الأوان".