فوز الفاغو: دلالات ومَعانٍ..وأين العرب؟

باحث واستشاري ومؤلف (بالاشتراك) لكتاب "تحديات عصر الروبوتات وأخلاقياته"، الصادر عن "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية"، سلسلة "دراسات إستراتيجية".

الحدث العلمي المهم دوليا المتمثل في الفوز الرابع لبرنامج الذكاء الاصطناعي "ألفاغو" الذي صممته وحدة "ديب مايند" التابعة لغوغل، على اللاعب الكوري الجنوبي المحترف "لي سيدول" في خمس مباريات خلال لعبة "غو"، في الفترة من 9-15 مارس 2016، في العاصمة الكورية الجنوبية سول، يثير العديد من النقاشات والتساؤلات، التي بدأت بالفعل حول العالم حول العلاقة والتحديات بين الإنسان والآلة، والتي تدعونا للتساؤل: أين العرب من هذا؟ وهل يعنينا ذلك، أم أنه لدينا ما يكفينا من قضايا وشؤون أخرى أكثر أهمية؟

في الدول المتقدمة التي تهتم بالفعل بمجال الذكاء الإصطناعي والروبوتات، قد بدأ منذ وقت مبكر العديد من النقاشات والمناظرات والتساؤلات حول آفاق وتحديات الذكاء الإصطناعي، بينما نحن نكتفي فقط بالمراقبة عن بعد والإنتظار لحين الانتهاء من هذه النقاشات ثم إعادة نقل التكنولوجيات المتقدمة التي تعتمد على التطورات والإنجازات في الذكاء الإصطناعي والروبوتات، والإستعانة بالخبراء الأجانب فيها.

ولعل من بين التساؤلات المهمة التي يثيرها فوز برنامج ألفاغو: هل لدينا بالفعل خبراء عرب في مجال الذكاء الإصطناعي والروبوتات، وأين دورهم في مثل هذه التطورات والإنجازات غير المسبوقة؟ وأين دور إعلامنا وفضائياتنا العربية المتزايدة في مثل هذا الإنجاز؟ أم أننا نكتفي فقط ودائما بمجرد تقرير مترجم عن وكالات الأنباء العالمية؟

هل لدينا محللون علميون يستطيعون شرح وتفسير فوز "ألفاغو" على العقل البشري ودلالاته ومعناه للعالم أجمع، وكيفية الاستعداد لذلك، كما يحدث في إعلام الدول المتقدمة؟

ففي الصحف على سبيل المثال قامت هيئة التحرير وفي صدر صفحاتها الأولى بكتابة تقارير جادة مفصلة حول فوز ألفاغو ودلالاته، وكذلك إفراد مساحة كبيرة من صفحاتها لاستضافة العديد من علماء وخبراء الذكاء الإصطناعي لتناول ومناقشة فوز وإنتصار برنامج الذكاء الإصطناعي على العقل البشري والآثار والتبعات والتحديات المتوقعة الناجمة عن ذلك.

بينما نحن للأسف الشديد لدينا العديد من المحللين السياسيين والرياضيين المشغولين بقضايا وشؤون أخرى، قد نظن أنها أكثر أهمية عن تناول مثل هذا الشأن العلمي الذي لا يقل أهمية بل قد يفوق أهمية العديد من القضايا والشؤون الأخرى المشغولين بها أكثر من اللازم.

الدول المتقدمة لم تتقدم من فراغ، واهتمامها بمجال الذكاء الإصطناعي والروبوتات لم يأت صدفة، بل من الإهتمام أولاً بإعداد ورعاية الموهوبين والمبدعين في شتى المجالات، فقد استطاعت هذه الدول أن تتقن صناعة ورعاية العقول والمبدعين، فتمكنت بالتالي من إحتلال الريادة في مجال الإختراعات والابتكارات العالمية، فعلى سبيل المثال تفتح الدول المتقدمة ذراعيها أمام الطلبة الأذكياء والمتفوقين حول العالم، حيث تقوم باستقطابهم واجتذابهم، من خلال تقديم عروض بالهجرة ومنح الجنسية واستكمال الدراسة، وذلك لإدراكها لقيمتهم في تطورها وتقدمها ونهضتها.

فعلى سبيل المثال، تقوم أبرز شركات التكنولوجيا الأميركية مثل غوغل وفيس بوك وأمازون، وضمن أبحاثها في مجال الذكاء الاصطناعي باجتذاب وتوظيف الباحثين والأكاديميين الموهوبين والمبدعين المتخصصين في أبحاث الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.

أما نحن فقد نكتفي فقط بتسليم المتفوقين والمبدعين شهادات التقدير، ونتركهم بعد ذلك حائرون باختراعاتهم وابتكاراتهم بين العديد من الهيئات والجهات الحكومية.

كذلك يفتح فوز برنامج ألفاغو الباب واسعاً لمناقشة الكثير من التساؤلات والتداعيات الإقتصادية والإجتماعية والأخلاقية والقانونية المشروعة والجديرة بالبحث، والتي من بينها المخاوف من تهديد الذكاء الإصطناعي للعديد من الوظائف والأعمال، بالإضافة الى قضايا السلامة والأمن والخصوصية والثقة والمسؤولية في التعامل مع برامج الذكاء الإصطناعي.على سبيل المثال: إذا أصاب برنامج الذكاء الإصطناعي عطل أو خلل وتسبب في حدوث أضرار لشخص ما، من هو المسؤول؟ وماذا يحدث لو تمكن أحد القراصنة المهاجمين من التسلل وإختراق انظمة الذكاء الإصطناعي والتحكم بها عن بعد؟ وإلى أي درجة من الأمان يجب أن تكون عليه برامج الذكاء الإصطناعي والروبوتات قبل أن يتم نشرها في المجتمع ككل؟ والمخاوف من تهديد وإنتهاك الروبوتات للخصوصية الشخصية للأفراد، وهل حقا سيؤدي الذكاء الإصطناعي الى تغيير حياتنا بطريقة إيجابية؟ وماهي الضوابط والتشريعات القانونية والأخلاقية المناسبة قبل نشر أنظمة الذكاء الإصطناعي على نطاق واسع في مجتمعاتنا العربية؟

ما زلنا نعاني نقصاً شديداً في الخبراء والمتخصصين في مجال الذكاء الإصطناعي والروبوتات، وكذلك نقصاً في معامل ومراكز البحوث والتطوير في مجال الروبوتات والذكاء الصناعي، بالإضافة الى النقص في الثقافة الروبوتية وتعليم البرمجة في المدارس والجامعات.

مثل هذا الإنجاز وغيره ينبغي أن يفتح النقاش الجاد في عالمنا العربي عن كيفية اللحاق بسباق الروبوتات والذكاء الإصطناعي العالمي المتسارع، وليس فقط مجرد الاكتفاء بترجمات سريعة عن وكالات الأنباء العالمية، وكذلك النقاش حول أدوار ومهام الصحافة العلمية والإعلام العلمي في عالمنا العربي وغيابها عن متابعة هذه الأحداث الدولية، التي تساهم في تطوير العالم.