في ذكرى الحرب برلين تتذكر: الروس قادمون!

برلين - من بيتر ماكارثي
صورة تاريخية لجندي روسي يرفع علم السوفييت فوق الرايخستاج

بحلول إبريل/نيسان عام 1945 كان خط المواجهة بين الرايخ الثالث والاتحاد السوفيتي يمتد على طول نهر أودر ورافده نيس الذي لا يبعد سوى 60 كيلومترا فقط شرق برلين. وإلى الغرب كانت تتمركز القوات الامريكية والبريطانية على نهر الراين.
وكان ستالين يسعى في لهفة للاستيلاء على برلين "عرين الفاشية" قبل الحلفاء الغربيين. ونشر من أجل هذا الغرض قوات حاشدة على طول نهر أودر لشن هجوم ضار على العاصمة الالمانية.
ونشرت قوات الجيش الاحمر نحو 2.5 مليون جندي تدعمهم أكثر من 6 آلاف دبابة وأكثر من 40 ألف قطعة مدفعية على طول جبهة روسيا البيضاء الاولى بقيادة المارشال زوكوف وجبهة أوكرانيا الاولى بقيادة المارشال كونيف.
وكانت الخطة تعتمد على تقدم القوات نحو برلين وتطويقها من الشرق والغرب قبل الاستيلاء عليها شارع تلو الاخر. ولم يقف أمام الجيش الاحمر وتحقيق هدفه سوى الجيش التاسع الالماني الذي كان يتمركز على طول منطقة تعرف باسم مرتفعات سيلو كآخر حصن دفاعي أمامهم.
وفي الساعات الاولى من 16 نيسان/إبريل بدأ الاجتياح السوفيتي حيث أمطرت قوات الجيش الاحمر الجنود المتمركزين في هذه المرتفعات بقذائف المدفعية وصواريخ الكاتيوشا.
وكان صوت المدافع يسمع حتى الضواحي الشرقية من برلين التي تبعد 60 كيلومترا عن قلب المدينة مما دفع السكان للاصطفاف في طوابير أمام المخابز ومتاجر السلع الغذائية وهم يصرخون في هلع "إيفان آت" (الروس قادمون).
وصمد الجيش التاسع ببسالة لمدة ثلاثة أيام قبل أن ينهار. وتوغلت جبهة روسيا البيضاء الاولى في 19 نيسان/إبريل في طريقها نحو المدينة. ولم يعد بينها وبين برلين سوى بعض التحصينات الالمانية المتهالكة.
وتحولت عاصمة الامبراطورية التي كان يفخر بها هتلر ذات يوم إلى خراب بعد عامين من القصف الجوي المتواصل ليل نهار. وارتفع عدد سكان برلين الذي كان يبلغ نحو أربعة ملايين نسمة بفعل تدفق هجرة السكان من الشرق خوفا من عمليات الاغتصاب والسلب التي ترتكبها القوات السوفيتية.
وقطعت خطوط الكهرباء والغاز والماء فيما نقل السكان معيشتهم إلى قباء وأنفاق تحت سطح الارض ولا يغامرون بالخروج منها سوى بحثا عن الغذاء والماء.
وكان توغل الاتحاد السوفيتي في منطقة مرتفعات سيلو دافعا لظهور جهود محمومة في برلين لتنظيم بعض أشكال الدفاع من خلال وضع الحجارة والطوب في عربات الترام المتبقية لاقامة حواجز على الطرق وتوزيع الاسلحة المضادة للدبابات.
وطاف أفراد الشرطة ومسئوولو الحزب النازي الذين لم يفروا شوارع المدينة بحثا عن الجماعات المتفرقة والجرحى.
وحكم النازيون على من يصفونهم بالخونة والفارين من أداء الواجب الوطني بالموت شنقا وتدلت جثثهم من أعمدة الانارة في أنحاء المدينة وعليهم بطاقة تشي "بجريمتهم".
وفي 20 نيسان/إبريل الذي تزامن مع عيد ميلاد هتلر السادس والخمسين بدأت مدافع زوكوف بعيدة المدى في قصف الضواحي شرقي برلين. وسقط ما يقرب من مليوني قذيفة على المدينة قبل استسلامها. وبحلول ليلة 12 إبريل/نيسان كانت فرق الدبابات السوفيتية على مشارف برلين.
وقبل هتلر من حصنه تحت مقر الرايخ هزيمة لم يجد مفرا منها في نهاية الامر في يوم 22 نيسان/إبريل بعد أن فشلت عملية شن هجوم مضاد. ورغم الوصول إلى هذه المرحلة لكن هتلر واصل رسم خطط اعتمد خلالها على مشاركة وحدات كبيرة لا وجود لها حينذاك.
ولكن الامر وضح الان حتى بالنسبة له أن الاتحاد السوفيتي سيستولى على مقره في غضون أيام. وصب جام غضبه على جنرالاته والشعب الالماني ثم خر منهارا على أقرب مقعد.
وبعد ظهر يوم 25 نيسان/إبريل التقت القوات الامريكية والسوفيتية على نهر إلبي فيما انضم جيشا زوكوف وكونيف وطوقوا جميعا برلين. وبات الان طوق من الفولاذ يحاصر المدينة من كل جانب.
وبعد يومين توغلت الدبابات الروسية حتى وصلت إلى ساحة بوتسدامر بلاتز وسط برلين.
وفي ظل تراجع أعداد الجنود المدربين إلى 25 ألف جندي فقط وقع العبء الاكبر من الدفاع عن المدينة على كاهل الصبية من أعضاء منظمة "شباب هتلر" وكبار السن من رجال الحرس المدني. لكن جميع سبل الدفاع لم تتمكن من المقاومة أمام قوات الجيش الاحمر الشرسة وعتادها القوي.
ووجد الروس أنفسهم في وضع يحتم عليهم خوض الحرب من شارع إلى آخر ومنزل تلو آخر وهو الموقف ذاته الذي وجد الالمان أنفسهم فيه في مدينة ستالينجراد. وتمكنت بعض جيوب المقاومة العنيدة من عرقلة حركة القوات السوفيتية الامر الذي دفع الاخيرة لاستدعاء مدافع وقاذفات ثقيلة لدك وتدمير جميع البنايات الموجودة في المدينة.
وفي 30 نيسان/إبريل أصبح الجيش الاحمر على بعد مئات الامتار من مخبأ هتلر ومبنى البرلمان (رايخستاج) المجاور له. وانتحر هتلر معترفا أنه خسر كل شيء. ورفرف العلم السوفيتي في وقت لاحق هذا اليوم فوق أنقاض مبنى البرلمان الالماني.
وفي الثاني من أيار/مايو استسلمت جميع القوات الالمانية دون شروط. وانتهت الحرب في أوروبا.
وكانت فاتورة معركة برلين فادحة بالنسبة للجانبين. حيث خسر السوفيت ما يقرب من 50 ألف جندي فيما خسر الالمان نحو 300 ألف فرد ما بين قتيل وجريح ومفقود بينهم مدنيون.
وحتى الان تكتشف السلطات الالمانية نحو ألف جثة داخل برلين والمناطق المحيطة بها سنويا.
ولم يكن الناجون من معركة برلين أفضل حظ حيث تعرض ما يقرب من 100 ألف امرأة في برلين لعمليات اغتصاب من جانب الجيش الاحمر فيما نقل 100 ألف أسير حرب لسجون الاتحاد السوفيتي.
ووقع على عاتق من نجا من المجزرة من سكان برلين مسؤولية التخطيط لاعادة بناء المدينة المدمرة التي تقسمت بين الحلفاء.