في ليبيا، استبدال مبدأ الشفافية بمبدأ اللعبة السياسية في عملية المصالحة الوطنية

بقلم: د. عامر رمضان أبو ضاوية

تجتاز ليبيا مرحلة من اصعب المراحل، حيث أضحى الشعب الليبي أشبه بامرأة تهب نفسها لكل قادر على دفع الثمن؛ ثمن بناء ليبيا الغد.
وعليه عاد الإنكباب، وبكل شغف، على كل شيء أوروبي ولو كان زياً مستحدثاً، أو طعاماً معلباً، أو شراباً مسكراً، أو عادة تافهة...الخ، إلى حد القول "حان الوقت للتعويض عن السنوات التي هدرناها". ووصل هذا الإنكباب عند الليبيين منتهاه في تقديس كل ما هو أجنبي، من منطلق الشعور بأنه أسمى من مداركهم، لأن قدر صاحبه أعظم من قدرهم، فنظرة رضا من أجنبي نعمة ومفتاح باب "البزنس". وشرفاً- وأي شرف - أن يستأجر الأميركي أو الإنجليزي أو الألماني بيتاً من بيوت أي كان من الليبيين، عدا بيت العقيد معمر القذافي، لأنه عبارة عن خيمة، وهذه الخيمة غير مسجلة بالسجل العقاري.
ومهما كانت كراهيتنا للأميركان وحقدنا ونقمتنا عليهم، فإن هذه الكراهية والحقد والنقمة سرعان ما ذابت أمام قطرة من رضا، وحل محلها الخنوع والمهادنة (وبالمناسبة كما كنا نلوم دول الخليج على سياسة كسب رضا الأمريكان!).
وتمضي الرواية، وقد أستحوذ على مشاعر الليبيين المشادة بين نجل العقيد معمر القذافي سيف الإسلام وبعض الأسماء الضخمة بأسعار متفاوتة إلا أنها رخيصة، فانقسموا فريقاً مع هذا، وفريقًا مع ذاك، وفرقاً لا في العير ولا في النفير للأمل الموعود في ليبيا الغد.
وأين هذا الغد في بلاد يتربص بها المتربصون من كل جانب؟
ليبيا الغنيمة تتقاتل الشركات الأجنبية في أنانية وضراوة من أجل الفوز بموطئ قدم فيها، ومن تحتها يختصم البعض من أهل الثقة وأهل الحظوة حتى الموت المدمر على توكيلات هذه الشركات. أنها مؤامرة آثمة عاتية تعطل مسيرة الشعب الليبي وتأرجح كيانه ومن بعدها تفتح فاها للهاوية!
• وكأن الثورة الليبية قامت لتكون سلاحاً في يد الأحقاد والبغضاء. فأغلب الليبيين الذين هتفوا للضباط الوحدويين الأحرار يقفون من تطورات الثورة الليبية موقفاً سلبياً، حيث الخلافات والفوضى والأحقاد والشهوات التي انطلقت من عٌقالها في الآونة الأخيرة لتحقيق أهداف بعينها.
• وكأن ليلة الفاتح لم تكن وسيلة لتحقيق آمال كل أبناء الشعب الليبي.
• وكأن نداءات العقيد معمر القذافي، والتي من بينها " أرفع رأسك يا ليبي"، كانت تدخل الأذان وتخرج من بين الأسنان، فلا تترك وراءها أثراً ولا يعلق منها بالعقل شيء.
وإذا بالشعب الليبي:
• مجموعة من القائمين على ما بات يُعرف في ليبيا فقط "بأجهزة السلطة الشعبية"، (وما هي بشعبية في ظل ضعف الحس الاجتماعي والقومي)، كل رأسمالهم في الحياة أنهم كانوا بالأمس يتفننون في صب اللعنات، والشتائم على أميركا، ويقودون المظاهرات ضدها، ويدعون إلى محاربتها...وهذه هي السياسة بالنسبة لهم، فمعضهم تنقصهم الكفاءة والمعرفة والمقدرة اللازمة لإدارة البلاد.
• أغنياء ما بعد الثورة همهم أن يحشوا جيوبهم بالمال وأجسامهم بالطعام والشراب وعقولهم بالعجرفة والخيلاء، يتفاخرون بمكتسباتهم وتعز عليهم مسرٌاتهم وملذاتهم.
• زعماء كلام بدون ماضٍ سياسي يريدون الحكم بأي ثمن.
• جبهات حزبية تضع مصالحها فوق الجميع، وتفرض على إتباعها التعصٌب للأشخاص القائمين بها، ولأفكارهم وأعمالهم، وما يتبع هذا من معاداة جميع الجبهات الأخرى بأشخاصها وأفكارها وأعمالها.
• دعاة مذاهب يعتبرون من لا يري رأيهم ويقدس مفاهيمهم كافراً، حتى لو كان إيمانه بالله أكبر من إيمانهم مجتمعين. يُروجون الإشاعات ويُحيكون المؤامرات مُتبعين وسائل الشيطان باسم الرحمن (مع احترامنا للمخلصين في اعتقادهم والشرفاء في نواياهم).
• أساتذة جامعات وأطباء يقسمون أيامهم قسمة عادلة بين محاضرات الدوام الرسمي بالجامعات الحكومية، ومحاضرات الدوام غير الرسمي بالجامعات الأهلية، وبين المستشفيات العامة والعيادات الخاصة، والدافع طبعاً، الحرص على الموارد المادية وليس المثابرة من أجل صقل العقل وبناء الجسم.
• قلة تدعي الوطنية الشريفة ولا تكاد تظهر في أحشاء الكثرة، تتخذ من عالمها المتعفف برجاً عاجياً، وما هي بوطنية. فالوطني يكون ثائراً داعياً عاملاً متحملاً الشظف والأذى، لا يجزع ولا ينثني ولا يتألم. والوطني يؤمن أن الصدق من صميم القيم الإنسانية، كما قدره نبينا محمد عليه الصلاة والسلام حق قدره حين كان يقول أن الإسلام أن يكون المرء صادق.
• وأخيراً عامة ناس مُستجدية ناقمة يغمرها غليان في النفوس، تعيش حالة من الضيق والألم والحيرة، استولى عليها اليأس واصطبغت حياتها باللامبالاة والسلبية المستميتة، أحياء لأنهم يتنفسون ويأكلون ويشربون ويتوالدون قدر ما يستطيعون، ولكنهم أموات لأنهم آنيون، يحيا الواحد منهم لنفسه فقط، وفي حدود اليوم الذي هو فيه.
وحيث تكون السطحية في الحياة، تنتفي حكمة العلم وإرادة العقل. ومن ثم أصبح المواطن الليبي (تنبلاً)، بمعنى بدون روح مبدعة، لا تجمعه بغيره سوى رابطة المنفعة والغائية، ولا يدين بالخضوع لغير المادة، فمالكها صاحب الحق دوما، وفاقدها لا حق له ولا كيان.
وما آلت إليه الأمور الآن انبثقت فكرة المجتمع الجماهيري في بيئة أوضح ما فيها حب الذات والشعور المفرط بها، سواء كان هذا أنانية بالنسبة للفرد أو عصبية بالنسبة للقبيلة.
وهكذا توارى الهدف من ثورة رائعة غايتها، كما آمل القائمون بها، إلغاء التباعد والتباغض بين الليبيين، وإنشاء مجتمع فاضل.
ورغم هذا كله لم يؤثر على العقيد معمر القذافي أنهم جعلوا مآربهم الشخصية غاية في حد ذاتها.
فالزعامة التقليدية مازلت قائمة في ليبيا، أي أنها لم تنهار أخلاقياً بعد. وهذا يعني أن جُل أبناء الشعب الليبي مازالوا يكنون للعقيد معمر القذافي كل المحبة والاحترام.
فمعمر القذافي لم يضع يده في يد حبيبته السمراء الإفريقية كوندليزا رايس وبذلك تجنب أن يقع في أخطاء الرئيس أنور السادات الثلاث: اليأس والانتحار والاغتيال لنفسه وللثورة عندما فكر في الحياد عن مبادئ ثورة 23 يوليو ووضع يده في يدي كارتر وبيجن.
أما الضعف الأخلاقي فأصاب الذين يسعون إلى التقرب إلى العقيد معمر القذافي والانتفاع منه ليجعلونه هدفاً لجملة من النفاق والمخادعة والإقناع بأنه فوق مستواهم البشري ومعصوم عن الخطأ والشبهات، وعليه أن يأمر وعليهم أن يطيعوا.
ولكي لا يتحول العقيد معمر القذافي إلى رباً كاملاً أجل عن أن يُنتقد وأقوم من أن يُصلح بالنسبة لفئة قليلة مستفيدة،
عليه تجنب وسائل التغرير والعمل على الاستمرار ثائراً مُصلحاً بالنسبة للأكثرية المتضررة، التي تتمنى أن تشاهده مشاركاً جهاراً نهاراً في مناظرة وطنية استرشادية مع الفعٌاليات السياسية الليبية غير الرسمية الداخلية والخارجية عبر الأقمار الاصطناعية، حتى يعيش الشعب الليبي حقيقة المصلحة الوطنية من خلال استبدال مبدأ الشفافية بمبدأ اللعبة السياسية. د. عامر رمضان أبو ضاوية
أستاذ العلوم السياسية
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
جامعة الفاتح – طرابلس ليبيا