قاآني في بغداد لجسر هوة الخلاف بشأن سلاح الفصائل قبل فوات الأوان
بغداد - أجرى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، اللواء إسماعيل قاآني، اليوم الخميس، زيارة خاطفة وغير معلنة إلى العاصمة العراقية بغداد. وتأتي هذه التحركات في توقيت حساس لا يمكن فصله عن التصدعات التي ضربت وحدة الفصائل الشيعية خلال الآونة الأخيرة حول ملف تفكيك الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة. وتعكس المباحثات المكثفة التي أجراها قاآني مع قادة الجماعات المسلحة حرص طهران الوجودي على تماسك وكلائها، خشية تغير المعادلات السياسية بما يهدد مصالحها في جارتها الغربية.
وتضغط طهران لشرعنة وجود الفصائل عبر دمجها في أجهزة الدولة، مثل الحشد الشعبي، مع الحفاظ على ولائها الأيديولوجي، مما يجعل تفكيكها مستحيلاً دون انهيار الدولة نفسها. وفي ظل العقوبات، يمثل العراق الممر الأساسي لإيران للحصول على العملة الصعبة وتصريف البضائع، مما يجعل استقرار النفوذ الإيراني ضرورة اقتصادية وجودية للجمهورية الإسلامية.
وتهدف زيارة قاآني إلى معالجة التباين في وجهات النظر بين هذه الميليشيات، لا سيما بعد بيان "تنسيقية المقاومة" الصادر في 4 يناير/كانون الثاني 2026، والذي كشف عن خلافات بين الفصائل الراديكالية، التي ترفض أي نقاش حول السلاح، وبين قوى سياسية من بينها "حركة الصادقون" التي أبدت مرونة تكتيكية تجاه الفكرة.
وتتوجس طهران من تحول هذه الخلافات إلى مواجهة داخلية بين الفصائل، مما قد يضعف الجبهة الموالية لها أمام الضغوط الداخلية والدولية.
وترى بعض القوى والميليشيات الموالية لإيران أن المكاسب التي حققتها من خلال تغلغلها داخل مفاصل الدولة (الوزارات، المناصب، النفوذ المالي)، أصبحت أكبر من أن يُغامر بها في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي أو الحكومة ويدفع هذا الشقّ إلى تبني خطاب "حصر السلاح" تكتيكياً لامتصاص الضغوط الأميركية، مع العمل على دمج السلاح ضمن أطر رسمية تضمن بقاء نفوذها تحت لافتة "الدولة".
في المقابل تعتبر بعض الفصائل من بينها كتائب حزب الله و"النجباء"، أن سلاحها "مقدس" ومرتبط بعقيدة "المقاومة" العابرة للحدود، رافضة أي نقاش حول هذا الملف طالما هناك وجود عسكري أميركي، معتبرة أن "حصر السلاح" هو فخ لتجريدها من قوتها قبل تصفيتها سياسياً.
وشكل بيان "نسيقية المقاومة" وما تبعه من تداعيات الدليل الأبرز على عمق الخلاف، حيث وصف السلاح بأنه "شرعي وقانوني وأخلاقي"، وربط تسليمه بخروج آخر جندي أجنبي، وهو ما اعتُبر تحدياً مباشراً لوعود الحكومة العراقية للمجتمع الدولي.
وسارعت "عصائب أهل الحق" للتبرؤ من البيان، مؤكدة أنه لا يمثلها. ولم يكن هذا الموقف مجرد إعلان عن اختلاف في وجهات النظر، بل شكل رسالة لواشنطن وللداخل العراقي مفادها أن "العصائب" تختار مسار "الدولة" (ظاهرياً) مقابل "الفصائل المنفلتة".
وتتداخل عدة عوامل في تفجير هذا الخلاف بين الميليشيات، خاصة التي انخرطت بعمق في الاقتصاد العراقي والمشاريع الحكومية وتخشى من العقوبات الأميركية التي قد تستهدفها إذا استمرت في نهج "اللا دولة".
ويبدو أن طهران بدأت تتبع سياسة "توزيع الأدوار"؛ من خلال فصيل يهدد (لأغراض التفاوض الإقليمي)، وآخر يهادن (لحماية المكتسبات داخل العراق)، في وقت يدفع فيه الصراع على تمثيل "جمهور الحشد" بعض القوى لمحاولة الظهور بمظهر القوة المنضبطة التي تحترم سيادة القانون لجذب الناخبين والشركاء السياسيين.
ولا تهدف زيارة إسماعيل قاآني إلى بغداد إلى فرض رأي واحد بقدر ما تركز على "إدارة الاختلاف" ومنع تحول الخلاف الكلامي إلى "صدام مسلح" بين الفصائل في شوارع بغداد، بالإضافة إلى رسم حدود للمناورة؛ بحيث يُسمح للقوى السياسية بالحديث عن "حصر السلاح" لتهدئة واشنطن، بينما تحتفظ الميليشيات الميدانية بقدراتها القتالية تحت مسميات "التنسيقية".