قانون الجعفرية.. العودة إلى صراع الاجتهاد والأعلمية

ما قدّمه وزير العدل العراقي حسن الشمري للحكومة من صيغة لقانوني القضاء والاحوال الجعفريين، يبرز نمطا تقليديا للشيعة المكلفين بالعمل وفق رسالة المجتهد (المرجع الفقيه)، وهذا لا يبتعد عن واقع الحكومة التي تشكلت وزارتها دون معايير تفصل بين انتماء الوزير، ووظيفته الاساسية مع غياب نظام "الدولة الموحدة" التي تعتمد وحدة القوانين لإخضاع جميع المواطنين لنفس الانظمة والتعليمات المستمدة من الدستور دون اي تمييز.

لقد شكل اصرار الشمري على تقنين احوال الشيعة، شخصية لوزير تابع وغير متبوع، كسائر اتباع الاسلام الجعفري، التابعين لـ"عالم جامع للشرائط" أي المرجع الفقيه المشهود في اجتهاده على استخراج الاحكام الشرعية من ادلتها التفصيلية "الكتاب والسنة"، وهو ما يعده الفقهاء الامامية ضرورة لكل من يبلغ الـ 15عاما، اذ يصبح مكلفا بأحكام الزامية تفرضها "الشريعة"، من وجوب أو حرمة، غير عالم بهما فيجب عليه الرجوع إلى العالم بهما.

صحيح ان مبادرة الوزير لا تتعارض مع المادة (2) من الدستور التي حددت دين الدولة الرسمي الاسلام، ورفضت سن أي قانون لا ينسجم مع ثوابت احكامه، لكنها لا تتوافق مع المادة (14) منه، التي ساوت بين العراقيين امام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي. وبما ان وظيفة وزارة العدل تتعلق بتحقيق العدالة وحماية حقوق المواطنين، فضلا عن ضمان احترام مبادئ حقوق الإنسان وفق ما جاء في قانونها لعام 2005، كان ينبغي على الشمري انتاج عقيدة الدولة كمظلة جامعة للعراقيين دون طائفة او دين.

لم ينتج قانون الجعفرية للشيعة غير الخلاف العميق بين مراجعهم الروحيين، وتجسد ذلك باتهام المرجع اليعقوبي وهو المرشد الفقهي لوزير العدل، المرجع السيستاني بـ"الاستخفاف بمراجع الدين"، جاء ذلك نتيجة رفض السيستاني لما ورد في القانون، لكن اليعقوبي ردّ مستعينا بالآية 29 من سورة غافر، ضد رافضي مشروعه: "يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا، قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ"، و معنى الآية: ان موسى يبلغ قوم فرعون من عذاب الله ليوقع في قلوبهم أنه يريد لهم من العافية ما يريده لنفسه، بحسب تفسير صاحب الميزان آية الله محمد حسين الطباطبائي (1904- 1982).

مطالبة المرجعين الدينيين الشيخ بشير النجفي والسيد محمد سعيد الحكيم بضرورة عرض القانون على مرجعية السيستاني، لمحت لعدم اقرارهما ببلوغ المرجع اليعقوبي المقدرة على استنباط اصول الاحكام الدينية، وهي بمثابة عدم شهادتهما باجتهاده، واعترافهما بأعلمية السيستاني كمرجع كبير للشيعة حصراً. فالمرجع النجفي لم يرفض صيغة القانون مجملا كما يشتهي المدنيون، بل اعتبره "ضروريا ومهما، إلا أنه ينطوي على شطحات في الصياغات الفقهية والقانونية ولا يوافق عليها فقيه"، مفاد ذلك ان من وضع نصوصه لم يراع ضرورة شرعية في صياغتها. وهنا يتجلى موقف نابع من رؤية مرجع ضد مرجع، يتخلله تصدٍّ لمشروع اليعقوبي الذي تلخص بتكليف وزير يرجع اليه في الفتوى بان يقدم موارد فقهية استخرجت وفقا لمبانيه كمجتهد.

وبذلك يمكن تأشير ذروة التنافس الشديد بين مرجعيات النجف على مشروع "المرجعية العليا" الذي تتحقق في ظله حاكمية الشريعة ضمن اطار "تقليد اعلم الاحياء من الفقهاء"، وهو منهج نقلي ورث عن الائمة الاثني عشر من نسل الإمام الأول علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت النبي محمد، وهذا المنهج يطلب من الإنسان التنازل عن عقله إلى آخر اعلم منه في اختصاصات الدين.

فانفعالات الفقهاء مع القانون لا يستهدف الا نوعا من الرأي الشرعي جاء معاكسا لما يجتهدون بإفتائه، والا انهم ايضا يجمعون في قضايا نضوج المرأة بتسع سنوات، وخمس عشرة سنة للرجل، اذ "يبلغ الانسان مرتبة التكليف ويوجب عليه تطبيق أحكام الشريعة وتكاليفها على أعماله".

فظاهر رفضهم للقانون المذكور يتعلق بعدم عرضه على مرجعية السيستاني، أي انه لو تطابق مع مباني الاخير في الإفتاء حتما سيحقق مجراه للمصادقة، وفقا لما يعتقدون بضرورته من تكريس هوية المذهب في الاحوال الشخصية للمواطن "الشيعي"، والكلام هنا لا يبعث الامل في ترميم علاقة الافراد بالدولة بمقدار ما يسخرهم لسلطة محورها مزاج العمامة وحاكميتها على الرعية.

وما دام رأي مرجعية النجف حول قانوني الاحوال والقضاء الشرعي الجعفريين يتعلق برفض بنوده من دون تصنيفه كمشروع يهدد المجتمع العراقي بالانقسام فستبقى تلك المحاولات ناقصة، لا ترقى الى فعل يتعلق بالدولة يجاري ما ذهب اليه ميرزا محمد حسن الشيرازي (1815 – 1895) في تحشيد الايرانيين لانتفاضة التنباك (1891 - 1892) لرفض اتفاق الشاه ناصر الدين القجاري مع بريطانيا على إعطاء الأخيرة حق التصرف بالتبغ الإيراني داخل البلاد وخارجها، كما كان حرصه في سامراء على وحدة الاهالي من ضمن أساليب التكافل هناك، وحكايته مع هلال العيد تظهر موقفه الحقيقي من أهل السنة، ففي احدى السنين وبعد أن اعلن علماء السنة ان اليوم التالي سيكون غرة شوال واول ايام العيد، والتمسوا من الشيرازي ان يبدي رأيه ويوافق على ما ثبت لدى علماء اهل السنة، فاستجاب ووافقهم.