قراءة في قرار مجلس الأمن 2758: تحولات في المقاربة الدولية للملف اليمني أم إعادة إنتاج الإشكاليات القديمة؟!
بدأ مجلس الأمن الدولي في قراره الجديد بخصوص اليمن والذي حمل رقم (2758) وقدمته بريطانيا وامتنعت روسيا والصين عن التصويت عليه، وكأنه يعيد رسم إطار تعامله مع الأزمة اليمنية من زاوية تعكس مزيجًا من التحول والالتباس في آن واحد. فالامتناع الروسي والصيني عن التصويت يمثّل رسالة سياسية بحد ذاته، تعكس مقاربة أقرب إلى وجهة النظر الإيرانية، أو على الأقل تفهّمًا أكبر لموقف ميليشيا الحوثي، وهو ما يفتح باب المخاوف والقلق من تغيّر ميزان القوى داخل مجلس الأمن حيال الملف اليمني. ففي السنوات الأولى للانقلاب الحوثي، كان الإجماع الدولي يواجهه بشدة غير مسبوقة، غير أن التحولات الإقليمية والدولية وتشابك الملفات في الشرق الأوسط أدت تدريجيًا إلى جعل الملف اليمني جزءًا من حسابات القوى الكبرى، لا ملفًا مستقلًا بذاته.
صيغة قرار مجلس الأمن الجديد تفتح مجالًا لاستخدامه كمرجعية سياسية جديدة في مسار الحل، خاصة من جانب بريطانيا والولايات المتحدة، إذ يمكن البناء عليه لطرح صيغ تسوية أو حتى لإعادة هندسة المسار التفاوضي. فعلى الرغم من تركيز القرار على تمديد العقوبات المرتبطة بالقرار 2140، إلا أن تأثير هذه العقوبات على ميليشيا الحوثي يبدو محدودًا للغاية؛ فالحظر على السفر لا يطال جماعة لا تملك وجودًا دوليًا أصلًا، أما تجميد الأصول فقد تجاوزته الحركة عبر إنشاء شبكات مالية وتجارية تعمل كواجهات قانونية، وتأسيس شركات اقتصادية تغطي عمليات التمويل بتنسيق مباشر مع إيران. وبالتالي، فإن تجديد العقوبات يبدو إجراءً رمزيًا أكثر من كونه عمليًا، ولا يمس جوهر القوة المالية للحوثيين.
تأكيد القرار على أن الحل في اليمن سياسي وليس عسكريًا يحمل دلالات أعمق مما يبدو؛ إذ يتضمن تكبيل السلطة الشرعية بما يشبه التقييد السياسي والعسكري، بحيث تصبح غير قادرة على المضي نحو الخيار العسكري، أو فرض نفوذها على الأرض، أو حتى استخدام لغة الردع كأداة ضغط. وبهذه الدلالات، يبدو القرار وكأنه يدين ميليشيات الحوثيين لفظيًا، لكنه يخدمها على مستوى ضمان أن تبقى جزءًا من أي تسوية قادمة دون أن تتخلى عن مكاسبها العسكرية، بما يعني أن إسقاط الانقلاب بالقوة ليس مطروحًا دوليًا، وأن ميليشيات الحوثيين ستكون جزءًا من أي صيغة حكم قادمة، وهو دور لن تقبل به ما لم يمنحها تحصينًا من أي عقاب جماعي أو محاسبة جدية على جرائم الحرب والانتهاكات. فحتى مع ذكر المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية كمرجعيات للحل السياسي، فإن القرار لم يشترط نزع سلاح الميليشيا، ولا إعادة مؤسسات الدولة، ولا انسحاب الحوثيين من المدن، وهو خلل جوهري يهدد أي حل سياسي قابل للحياة.
إن عدم تطرق القرار لتجريد ميليشيات الحوثيين من الأسلحة سيجعلها تدخل أي تسوية كقوة مسلحة، الأمر الذي سيجعل أي مرحلة سياسية ليست سوى هدنة مؤقتة قبل جولة صراع جديدة.
يقدم قرار مجلس الأمن الأخير صورة مزدوجة: فمن جهة يتضمن نبرة حادة نوعًا ما تجاه الحوثيين، وإقرارًا دوليًا بخطورة الهجمات البحرية، ويدعو لإجراءات رقابية لتشديد حظر توريد الأسلحة للمليشيات الحوثية. ومن جهة أخرى، يتضمن تثبيت دور الحوثيين في أي تسوية قادمة، وعدم المساس بترسانتهم العسكرية، ما يؤدي إلى إعادة تدوير الإشكاليات نفسها التي عطلت المسار السياسي منذ 21 سبتمبر 2014.
باختصار، يبدو القرار تحولًا لغويًا دون تحول استراتيجي، إذ سيظل تأثيره الفعلي على الأرض محدودًا ما لم تُصاحب اللغة الحادة إجراءاتٌ عسكرية واقتصادية واضحة تغيّر ميزان القوة وتعيد الاعتبار للدولة اليمنية.