قرار سياسي يدخل تركيا في دوامة التخبط المالي

الرئيس التركي يدفع مرة أخرى الليرة إلى هوة سحيقة بقراره إقالة محافظ البنك المركزي بعد أربعة أشهر من تعيينه فقط لأنه رفض مجاراته في معركة خفض قيمة الفائدة التي يخوضها منذ سنوات على خلاف للنظريات الاقتصادية التقليدية.  


إقالة محافظ البنك المركزي 'تسحق' الليرة وتربك بورصة اسطنبول


أردوغان يدق آخر مسمار في نعش الليرة بقرار ارتجالي


العدالة والتنمية يدافع عن أردوغان متجاهلا النتائج الكارثية لقراره


الليرة التركية شهدت انتعاشا نسبيا خلال إدارة ناجي إقبال للسياسات النقدية


أردوغان يخوض انتخابات 2023 برصيد من النكسات الاقتصادية والسياسية

اسطنبول - أحدث قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المفاجئ بإقالة محافظ البنك المركزي ناجي إقبال وهو أيضا والد زوجته، إرباكا شديدة في بورصة اسطنبول بعد تراجع حاد في قيمة الليرة لليوم الثاني على التوالي، فقد سجلت اليوم الاثنين هبوطا اقترب من عتبة الـ15 بالمئة، فيما كانت انحدرت أمس الأحد إلى هوة عميقة مسجلة تراجعا بلغ 17 بالمئة.

وشهدت قيمة الليرة في الأشهر التي أدار فيها الوزير السابق المخضرم والذي راكم تجربة سنوات من الإدارات المالية والسياسات النقدية، استقرار نسبيا لكن الفترة التي قضاها على رأس البنك المركزي لم تكن كافية لكبح التضخم والناجم أساسا عن تدخلات أردوغان السابقة والمعارك التي خاضها لسنوات لخفض نسبة الفائدة بدعوى أن الفائدة المرتفعة هي سبب التضخم وعدم استقرار الليرة وهو رأي عارضته كفاءات من المركزي التركي فما كان مصيرها إلا أن تخلص منهم الرئيس.  

ومع تسجيل الليرة التركية هبوطا حادا، علقت بورصة اسطنبول التداول الاثنين، وسط تخبط وبلبلة ناجمين أساسا عن قرار إقالة اقبال الذي يحظى باحترام كبير في الاوساط المالية والاقتصادية، فيما يعتبر القرار بكل المقاييس ارتجاليا أو مزاجيا وأقلها أنه في غير الوقت المناسب.

وتراجع سعر الليرة التركية بأكثر من 14.8 بالمئة مقابل الدولار صباح الاثنين فوصل إلى 8.47 ليرات تركية للدولار في أسواق آسيا بالمقارنة مع 7.22 ليرات في أواخر الأسبوع الماضي، غير أنه عاد وارتفع قليلا في ما بعد مسجلا 7.97 ليرات.

وعمت البلبلة بورصة اسطنبول فتوقف التداول مرتين خلال جلسة قبل الظهر جراء هبوط المؤشر الرئيسي بأكثر من 6 بالمئة، عملا بآلية تقضي بتعليق التداول تلقائيا في حال حدوث تقلبات حادة في أسعار الأسهم.

وتعاني الأسواق مباشرة من تبعات إقالة حاكم البنك المركزي ناجي إقبال الذي شغل في الماضي منصب وزير المالية ويحظى بتقدير واسع، بعد أربعة أشهر فقط من تعيينه.

وأقيل الرجل ليل الجمعة بموجب مرسوم رئاسي لم يورد أي تبرير رسمي، إلا أن القرار جاء بعد يومين من رفع المصرف المركزي معدل الفائدة الأساسي بمئتي نقطة إلى 19 بالمئة لمواجهة التضخم، في تدبير رحّبت به الأسواق.

الأسواق تعاني مباشرة من تبعات إقالة حاكم البنك المركزي ناجي إقبال الذي شغل في الماضي منصب وزير المالية ويحظى بتقدير واسع، بعد أربعة أشهر فقط من تعيينه

وأثارت إقالة إقبال وتدني قيمة الليرة في وقت يعاني فيه الاقتصاد من عواقب تفشي وباء كوفيد-19، استياء الكثير من الأتراك.

وقال آدم دميرتاش وهو مستشار مالي "تركيا تعطي انطباعا بأنها بلد لا يتبع أي قواعد. لم يعد هناك قانون ولا ديمقراطية وكل ذلك يترك أثرا".

من جهته قال شكرو كوجاك وهو من سكان المدينة "تأييد الحكومة لا يعني غض الطرف عن أخطائها. وإذا ارتكبت أخطاء، يجب تصحيحها".

وأشار أحمد الستيني العاطل عن العمل إلى أن "الأسعار تزداد بشكل متواصل. لا أعرف ما سيحلّ بنا".

ولطالما أبدى أردوغان المؤيد لنمو قوي مدعوم بقروض متدنية الكلفة، معارضته لنسب الفوائد المرتفعة التي يصفها باستمرار بأنها "أصل كل الشرور"، مؤكدا خلافا للنظريات الاقتصادية التقليدية أنها تشجع التضخم.

وبرر المسؤول الثاني في حزب العدالة والتنمية الحاكم نورالدين جانيكلي في سلسلة تغريدات الاثنين إقالة ناجي إقبال، معتبرا أنه لم ينفذ "مهمته الرئيسية" وهي "ضمان استقرار الأسعار"، مضيفا "لا يمكن للذي يعيّن على رأس البنك المركزي الانحراف عن هذه الهدف".

والمفارقة أن ناجي إقبال هو من ضمن قادة العدالة والتنمية الذين كشفوا صراحة للرئيس التركي في اجتماع استبعد منه وزير المالية بيرات البيرق وهو صهر أردوغان الذي أعلن بعدها مباشرة استقالته، أن السياسة المالية خاطئة ونصحوه بتصحيح مسار العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ومع دول خليجية وعربية بعد سنوات من التوتر وهو ما أعلنه بالفعل.

وسعيا منه لطمأنة المستثمرين، قال وزير المال التركي لطفي علوان الاثنين في بيان "لن نقدم أي تنازل في ما يتعلق بآلية السوق الحرة وسنبقي على نظام أسعار صرف حرّة".

إقالة محافظ البنك المركزي التركي تثير استياء في الشارع وتعزز مناخا من عدم الثقة في السوق التركية التي باتت تخضع لمزاج سياسي وليس لضوابط اقتصادية وسط عزوف المستثمرين المحليين والأجانب

وأضاف "سنبقي على سياستنا الاقتصادية إلى أن نتوصل إلى انخفاض مستدام في معدل التضخم"، مؤكدا أن الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الحكومة ستعزز "أسسنا البنيوية فضلا عن صمودنا أمام صدمات محتملة".

ومن شأن هذه التصريحات أن تفاقم حالة عدم اليقين وتبدد الثقة أكثر في العملة الوطنية وتعزز تقارير اقتصادية دولية سابقة أكدت أن السوق التركية عالية المخاطر.

وعُين شهاب قاوجي أوغلو خلفا لناجي إقبال على رأس البنك المركزي وهو خبير اقتصادي ونائب سابق عن الحزب الحاكم، غير أن تعيينه يثير قلق المستثمرين ويلقي شكوكا حول استقلالية البنك المركزي في المستقبل.

وتعهد الحاكم الجديد منذ الأحد باتخاذ التدابير الضرورية لمكافحة التضخم، معلنا في بيان أن "البنك المركزي التركي سيواصل استخدام كافة أدوات السياسة النقدية في متناوله بشكل فعّال بهدف تحقيق هدفه وهو التخفيض المستدام للتضخّم".

وأدى ارتفاع نسبة التضخم في تركيا في السنوات الأخيرة بموازاة تراجع قيمة الليرة التركية إلى تدني شعبية أردوغان. وبلغت نسبة التضخم في فبراير/شباط 15.6بالمئة على أساس سنوي.

وتأتي هذه الاضطرابات الاقتصادية بينما يستعد حزب العدالة والتنمية لعقد مؤتمره السابع  بالتوازي مع حملة دعاية انتخابية مبكرة.

ويخوض العدالة والتنمية الحاكم الانتخابات المقررة في 2023 برصيد من النكسات المالية والسياسية ويكابد منذ أشهر من خلال حملة علاقات عامة لتلميع صورة الرئيس.

وتظهر كل البيانات الرسمية مؤشرات ايجابية غير متطابقة مع واقع الحال، ما يسلط الضوء على مغالطات كبيرة للتغطية على الفشل الاقتصادي وعلى سياسات دفعت تركيا إلى حافة الهاوية وسممت كل علاقاتها الخارجية تقريبا بدفع من نزعة أردوغان الاستبدادية وطموحات شخصية.

وحقق أردوغان مكاسب سياسية شخصية من خلال سياسات عدوانية ونهج صدامي وتدخلات خارجية، إلا أنه دفع تركيا إلى نفق مظلم مع تدهور لا يفارق قيمة العملة واقتصاد يكابد للخروج من حالة الركود ووضع سياسي مضطرب بفعل سياسات الإقصاء والقمع واحتقان شعبي مرشح للانفجار.