قرية زايد التراثية تخلد ذكرى الشيخ زايد في رأس الخيمة

رأس الخيمة إمارة صغيرة أنيقة بطبيعتها وهوائها النقي وتراثها ومبانيها الحديثة وفنادقها ومطاعمها الراقية وجامعاتها المرموقة وتكلفتها المنخفضة نسبيا.


القرية تتربع على ربوة تقع ما بين الجبال والبحر


بيت القفل عبارة عن حفرة في الأرض مغلقة بباب من خشب السدر يدعى بـ "القفل"

بقلم: سهى الجندي

أسست قرية زايد للتراث في عام 2004 من قبل صاحب الفكرة العميد الركن سعيد الشحي تخليدا لذكرى الشيخ زايد لن سلطان آل نهيان، مؤسس اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وحفاظا على التراث الغني في إمارة رأس الخيمة. وكان لهذه القرية إسهام واضح في تعزيز الهوية الوطنية وتعميقا لولاء الأجيال لدولتهم وتاريخها القديم. 
وكثيرا ما تقوم القرية بفعاليات ثقافية وترفيهية لجذب الرحلات المدرسية ودفعهم للتعلم بأسلوب مبهج للصغار والشباب، من خلال الغناء والرقص التراثي والأطعمة التراثية والجو المريح أثناء التجوال والتعلم كي يستمتع الزوار أثناء التعلم ولا يشعرون بالملل، ويستقبل هؤلاء الزوار والسواح بالحفاوة وإكرام الموفد وكأنهم ضيوف في البيوت وليس إلى مكان عام. 
إن أول ما يخطف البصر في هذه القرية هو موقعها، فهي تتربع على ربوة تقع ما بين الجبال والبحر، وأينما وجهت النظر، ترى الطبيعة الخلابة التي تتمرد على صحراء جزيرة العرب، فترسل النسمات ممتزجة بنسيم البر والبحر، ويصاحب ذلك المشهد هدوء المنطقة الريفية الخضراء الغنية بحقولها ومزارعها وهوائها العليل مما يوحي لك أنك على وشك مشاهدة تجربة جليلة ومهيبة، إنها رحلة في الزمن. 
للوهلة الأولى، تبدو القرية كأنها متنزه بفضل النباتات المحيطة بها، والتي لم يجر غرسها لتشجير القرية، بل أن طبيعة راس الخيمة ومنطقة غليلة الزراعية جادت بها، كما أنها غنية بالمياه الجوفية التي تجعل الأرض زراعية وخصبة، ونظرا لتنوع التضاريس، فقد تنوعت الأشجار ومختلف النباتات حتى غدت المنطقة كالجوهرة في قلب الصحراء، تنتشر فيها قطعان الماشية والبيوت الريفية المبنية من الحجر وأهم من ذلك كله، فإن أجواء البر والبحر والماء والهواء لا تزال نقية لم تفسدها يد الإنسان بنشر التلوث. 

تتنسم عبير الماضي
أينما وجهت النظر، ترى الطبيعة الخلابة

ما أن تدخلها حتى تتنسم عبير الماضي حيث تتناثر المباني الأثرية متباعدة بين الحقول التي كانت معاول الأجداد تحرثها وتزرعها، ولا يزال مدفن غليلة الأثري يحتفظ بالراقدين فيه منذ 4000 عام حسب تقدير البعثة الأثرية الألمانية، وأينما وجد البحر والجبال، فإن عقل الإنسان يتجه نحو العمل والإبداع. لذا فإن هذه القرية التراثية تزخر بمظاهر الحضارة التي تمتد لآلاف السنين.
 تضم قرية زايد للتراث بداخلها أقساما عدة توثق لماضي الإمارات، حيث تبدأ بقاعة الشيخ محمد بن زايد، التي تضم بداخلها أكثر من 120 قطعة سلاح بدءاً من السهم والسيف ومرورا ببندقية الفتيلة التي تعود الى العام 1503، وبندقية أبو حبة المصنوعة في1901، وبندقية أم خمس في 1940، وانتهاء بالبندقية الحديثة، وتلك هي الأسلحة التي دافع أهل المنطقة عنها حملات الاحتلال الأجنبي عبر القرون.
أما القاعة الثانية فهي قاعة الشيخ صقر بن محمد القاسمي وتحتوي على 7000 من المطبوعات ما بين القديمة والحديثة ذات موضوعات في مختلف العلوم، ومنها مخطوطات يعود تاريخها إلى نهاية القرن التاسع عشر، وتعتبر هذه المكتبة كنزا للباحثين في التاريخ الإماراتي كونها تحتوي على مراسلات ما بين الحكومة البريطانية وحكام الإمارات وغيرها من المراسلات والمستندات التي تعتبر وثائق تاريخية مهمة تثبت ممتلكات الدولة وحدودها التاريخية والسياسية. وبالطبع، فإنه لا يسمح للزوار فتح المخطوطات، لكن استخدامها متاح للباحثين وطلاب الدراسات العليا بخطاب رسمي وتحت إشراف مسؤولي المكتبة، فمثل هذه الوثائق والمخطوطات تحتاج إلى معالجة متخصصة في حفظ الوثائق الأثرية وحمايتها من التلف. وتقام في هذه القاعة الفعاليات الثقافية وهي تتسع لـ 150 شخصا.

بين الجبلي والساحلي
قطاع الزراعة مزدهر جدا

أما القاعة الثالثة فهي مركز الفن والذوق الرفيع والفنون اليدوية القديمة وقد حملت اسم الشيخ سعود بن صقر، وهي مخصصة للتحف المعدنية والأواني الفخارية والفضية التي كان سكان الإمارات يستخدمونها قديما، ومنها الحربة أي قربة الماء المصنوعة من جلد الماشية والكروة وهي اسم آخر للجرة أو القلة والقدح وغيرها. واللافت أن قدر طهي الطعام الرئيسي هو مصنوع من الفخار المحروق، وجميع هذه الأدوات مشتقة من البيئة المحيطة بالسكان وجميعها مصنوعة من مواد صحية لا تضر بصحة الإنسان كونها آتية من مواد طبيعية كالمواشي والطين.
  بالإضافة إلى ذلك، فإن صنع السلال والمفارش يعكس ذوقا فنيا راقيا ومستوى متقدما من المهارات اليدوية باستخدام مواد متوفرة في البيئة المحلية، وهي المهارات التي تتناقلها الأجيال من الكبير إلى الصغير.  
وتضم القرية كذلك نماذج للبيوت الأثرية وهي تجسيد حي لتفاعل الإنسان مع البيئة وتطويعها لحاجاته وأكثر البيوت شيوعا هو (العريش) المصنوع من سعف النخيل في المناطق الساحلية وهو مفتوح من الأسفل ويسكنه الناس في الصيف تاركين خلفهم هجير الصحراء، وهذا النموذج مناسب للمناخ الساحلي حيث الرطوبة التي تحتاج إلى حركة هواء للتبريد من خلال التبخر، وهناك بيت "السبلة" المصنوع من جريد النخيل لأهل الساحل والريف وهو مغلق من جميع الجوانب إلا المدخل الخاص باستقبال الضيوف، وهناك "الخيمة" وهي مصنوعة من سعف النخيل وهي مغلقة من جميع الجهات وتستخدم في الشتاء. 
أما البيوت الجبلية فتختلف عن الساحلية، إذ كانت تبنى من الحجارة والطين، ويطلق عليها اسم "الصقة أو العقة" وتتميز بكثرة فتحاتها لدخول الهواء حيث تتميز الجبال بوجود تيارات هوائية لطيفة نسبيا.

تقدم في العمران
الفن والذوق الرفيع

وهناك بيت القفل وهو عبارة عن حفرة في الأرض مغلقة بباب من خشب السدر يدعى بـ "القفل"، ويعود هذا التنوع إلى تطرف درجة الحرارة في المناخ الصحراوي، فهناك قيظ وهناك برد، مما يجعل البيوت تحت الأرض وسيلة تقي من الحر والبرد. ويوجد نوع آخر من الغرف يطلق عليه أهل المنطقة اسم "الدهريز" وهو كثير النوافذ لأن بعض النوافذ يجب أن تغلق في النهار لحجب حر الشمس وتفتح ليلا. 
 إن هذا التقدم في العمران يعكس تقدما حضاريا قديما ليس له علاقة بالثروة النفطية بل بطبيعة الإنسان الخلاقة التي تتجلى بوضوح فيما يسمى بـ (الوعب) وهي الأرض المتدرجة التي كان سكان رأس الخيمة يحرثونها ويزرعونها بالقمح والشعير في فصل الشتاء، هذا بالإضافة إلى المظاهر الأخرى للتكيف مع البيئة أدوات حفظ الطعام المصنوعة من الفخار الذي يخفض درجة الحرارة بفضل مسامية الطين التي تسمح بالتبريد من خلال التبخر. 
   إن محتويات القرية ذات دلالة تاريخية وديمغرافية وسوسيولوجية، إذ أن الحضارة والمدنية هي نتاج التفاعل ما بين الإنسان وبيئته، وهذا التنوع والتطور في أساليب التعامل مع البيئة والتكيف مع ظروفها دليل على التقدم الذي كانت المنطقة تشهده، ولا غرو في ذلك، إذ أن المنطقة قديمة قدم التاريخ، مما يعني أن العلوم والمعارف كانت تراكمية من عصر إلى العصر الذي يليه. فتجلى مدى التقدم في المهارة التي تمتع بها سكان المنطقة في التكيف مع البيئة وقسوة مناخها. وقد انعكس ذلك في بيوتهم وأدواتهم وأسلحتهم ومزارعهم.    
تتميز إمارة رأس الخيمة عموما بالجو الريفي، وهي تمتلك القليل من النفط، ولكن قطاع الزراعة فيها مزدهر جدا، فمنذ أن تدخل في الشارع المؤدي إلى المدينة، ينتشر اللون الأخضر على مد النظر، ويأتي اهتمام الإمارة بالزراعة كجزء من اهتمامها بالسياحة، فالتضاريس هنا متنوعة ما بين الجبلي والساحلي، كما أن الإمارة تتلقى أمطارا تفوق باقي الإمارات في فصل الشتاء، مما يوفر بيئة مناسبة للزراعة، مما جعل الإمارة جذابة جدا على مدار العام. لذا فإن موقع قرية زايد للتراث في قرية ريفية جعلها مركز جذب للسائحين من الدولة وخارجها. 
  وهكذا، فإن هذه الإمارة الصغيرة أنيقة بطبيعتها وهوائها النقي وتراثها ومبانيها الحديثة وفنادقها ومطاعمها الراقية وجامعاتها المرموقة وتكلفتها المنخفضة نسبيا.