قصة قصيرة: ثلاث حالات تليفزيونية

بقلم: محمد عبدالله الهادي

مفتتح دار الهوائي فوق منزلي دورةً كاملة، الإصبع الذي ضغط زر "الريموت"، جعل الباحث الذاتي الذي تضوي إشاراته بركن الشاشة الصغيرة، يقطع الموجات الراكضة كبساط الريح، التي تمتطي متن البراح عابرة الفضاء العربي الواسع بقنواته الكثيرة جداً، حتى توقف..
الطقس الصافي والرطوبة المرتفعة تعني درجة استقبال عالية، هاهي الصورة تنطق مباهيــة. حـالة أولـى البنت البيضاء بياضها ثلجي غير نقي، وهي تطل عليَّ من الشاشة، ولا شعرة واحدة من شعرها المقصوص بزاوية حادة تهتز، كأنما ضغطته بمكواة وثبتته بمثبت عالي الجودة، لكن عينيها زرقاوان زرقة بحر مالح، تتكلم بعربية فصحى.
وحدث قطع (المشهد نهار داخلي) العجوز "أمينة رزق"، يتهدج صوتها من خلال الهاتف، وهي تسأل محدثها:
ـ "أنت مين يا بني؟"
فيرد عليها الرجل الكبير ببساطة:
ـ "أنا جمال عبد الناصر".
"معقول".. هتفتُ وأنا استجمع خيوط حواسي للانتباه، وأسأل بدهشة: هل يعرض التليفزيون أخيراً فيلم "ناصر 56"؟، لكن الهاجس اللعين احتوشني مخرجاً لسانه وهو يرد عليَّ: "دي مش مذيعة مصرية يا أخ"، وسألته: "يعني إيه؟"
لكن القطع (المشهد النهاري الخارجي) كان للزعيم وهو محاط برجال الثورة، يخطب في الجماهير المحتشدة في الميدان الواسع، يعلن قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، الجماهير التي هاجت فرحة بالقـرار.
ترقصت الفكرة الملحة برأسي معجبة بالتشابه الذي يصل لحد التطابق بين "أحمـد زكي" الممثل و"نـاصر": الشعر المرجل للوراء .. الحاجبان .. الأنف الشامخ . طراز رباط العنق .. الملابس .
لكن المرأة عادتْ للشاشة، أطلتْ عليَّ بزرقة عينيها اللتين تشعان مكراً خبيثاً، قطعت المشهد الدرامي الحافل، وقطعت معه الحبل الذي كان يسلسل أفكاري، تعلق بصري بنحرها الأبيض وشق نهديها النازل حتى حافة الإطار السفلي للشاشة، كانت تلعب شفتيها المصبوغتين بلون دموي، وتقول كلاماً كثـيراً :
ـ " كيف يصدق المشاهد هذا التناقض ؟ . انظر عزيزي المشاهد .. "
وحدث قطع (المشهد كان من فيلم آخر)، لامرأة أخرى، ترتدي سروالاً ضيقاً وبلوزة فاتحة، صوتها عال، هل هي "رغـدة"، تتشاجر مع رجل، هل هو "أحمد زكي"؟، كأنها بطلة الحزام الأسود وهي تتحدى وتضرب الهواء بسيف يدها، ثم وهي تركل الرجل بين فخذيه ركلة قوية، كانت كافية لتمزق خصيته وسلب ذكورته، انحط الرجل أرضاً وهو يصرخ، صار "أحمد زكي" في لحظة واحدة "دلــدولاً" ..
قطع / وهو يمشي مباعداً بين ساقيه، كعذراء ختنتْ تواً، يتوارى كسوفاً، ويمشي بخطوات النعجة المدجنة ..
قطع / أطلتْ العينان الزرقاوان، تكور الفم الدموي يردد اسم الفيلم بلزوجة ماء آسن :
ـ " إستا كوزا .. فيلم إستا كوزا .. انظر عزيزي المشاهـد" .
قطع / مزج بين وجهي " أحمد زكي " في الفيلمين : وجه الزعيم بصوته الهادر وهو يتراوح في وجه " الدلـدول " العاجز لعدة دقائق ..
قطع / عادت المرأة للشاشة مرَّة أخرى، تتشيطن وتلعب شفتيها، تمزج الصورة بالصورة والعسل بالسم بإلحـاح خيال خائب، صدرها الناهد المعلق في بؤرة بصري، بدا محشواً بالحقد والخوف من الرجل الذي رحل منذ سنين، وشرد عقلي لسنوات خلتْ مفكراً في أيام ومعارك لا تنسى، ولم انتبه لانتهاء البرنامج، إلاَّ عندما نزلت علي الشاشة أسماء غريبة بحروف عربية، تتوالى مسرعة مع الموسيقى فوق بعضها البعض، تقابلها أسماء بحروف لغة أخرى، هي لغتهم بالقطع، لها أفواه مفتوحة بشراهة وأطراف تنحني لأسفل تفلت روائح كريهة، بلغتْ ذروتها عندما كتمتُ أنفي بأصابعي، مع صورة لأطلال معبد قديم، بجواره توقفت عبارة أخيرة تفقأ عينيَّ:
التليفزيون الإسرائيلي ـ أور شليم القـدس. حـالة ثـانية المشهد لبنت بيضاء كحليب صبح لشاة جبلية، تتكلم بلهجة عربية محلية لبلدها الصغير، كانت شفتاها تفتران بابتسامة داعرة، وهي تغمز بعينها وتلمز بلسانها الأحمر الذي تمسح به شفتيها، تلوِّن صوتها بالترجمة التفصيلية للبرنامج الأجنبي، تستعرض المكان وتحدد الزمان وتعـدد أهداف الـ "show " الذي سنراه حـالاً ..
قطع / غابت صورتها، لأن الكاميرا آنئذ كانت تستعرض المتسابقات اللاتي سوف يتنافسن علي المراكز الأولى، الشاطئ الأمريكي ممتد براحة علي الساحل الطويل، ماء المحيط هادئ، الشمس منيرة، ما زال صوت البنت، بدون صورتها، يتواصل ويرن في مسمعي :
ـ "عرض البكيني يبدأ الآن .المتسابقة الأولى اسمـها باربارا من كاليفورنـيا".
ضغطتُ " الريموت " بإصبعي وانخفضتْ شدَّة الصوت، حتى لا يتسلل من عقب الباب لمسامع الجيران، البث النهاري للمشاهد ما زال يمنحني فتيات البكيني الجميلات، بكيني تلو الآخر : "لويزا" .. "كاترين" .. "مارجريت" ..
كن يكورن نهودهن البديعة المصقولة بكفوفهن يدعونني، ثم يستدرن و يهزهزن أردافهن المثيرة خصيصاً لعيني فقـط، هكذا كنت اعتـقد، حتى هزهزن مواضع الإثارة في بدني، ثم تركنني بغتة وحيــداً ..
أطفأت التليفزيون، أطفأت النور، ظلَّت عيناي، حتى شقشقة الصبح، تناجيان النوم الذي طار من النافــذة حـالة ثالثـة بثَّ التليفزيون نشرته الإخبارية بوجه متجهم وصوت شكاء ممل، داعب سلطان النوم أجفاني، وسدت رأسي كوعي، غضب المذيع، أخذني في محيط نظرته القاسية خلف نظارته "قعر الكوباية"، طفق يفصل الموجز لي، ينخسني بأشواك أحداثه الملتهبة، انتبهت .
قطع / المشهد لحفل صامت يرين عليه حزن طاغ، كان " أبو عمَّار " جالساً بجوار زوجة الشهيد، المراسم كانت لإحياء ذكرى زوجها الباقية في ذاكرة رفاق الكفاح، كانت أجفان أبي عمَّار بالتذكر، مزررة علي قطرات الدمع المنفلت حزناً، رغماً عنه، علي سترته العسكرية .
قطع / أرشيف / المشهد للزوجة تتحدث من مكان غير المكان وفي زمان آخـر :
ـ " بدأ هو بإطلاق النار .. ثم ظهر أمامي أربعة مسلحين برشاشاتهم .. أخذوا يطلقون النار بحقد رهيب .. كان كل واحد منهم يفرغ مخزون رشاشه في جسد " أبو جهاد " ويتراجع للوراء .. ويتقدم الآخر ليقوم بنفس المهمة .. ويتكرر المشهد أربع مرَّات .. "
كانت تبكي بلوعة كدرت صفائي، وهيجت منابع الدمع في عيني ..
جاء المذيع فجأة قاطعاً شريط الأرشيف فلم أبك، كان يتحدث بحياد .
قطع / أرشيف / طوفان من الصبيان يطوحون بالحجارة صوب جنود الاحتلال، لمحتُ واحداً منهم وقد أصاب حجره أحدهم، ثم وهو يشكل بإصبعيه علامة النصر " v " قلت لنفسي :
ـ "ولد راضع من بـز أمّـه"
ثمة دخَّان يتصاعد، إطارات مشتعلة، شوارع عربية عتيقة، متاجر مغلقة، جنود يركضون ويطلقون الرصاصات المطاطية بعشوائية، قنابل غـاز، عجائز فلسطينيات يصرخن، منازل تتهدم، دمـاء تتفجَّـر وتسـيل .
* * *
كنت مغتماً وأنا أتقلب في فراشي، ثمة حفيف لرياح تعبث بستارة النافذة، الليل يتقدم، عندما نمت، كانت حدود الحلم والحقيقة المبهمة في وعيي، عن مشهد تاريخي لسيوف لامعة، وصهيل جيـاد، في معمعة معركة تدور رحاها بالتأكيد هناك، وفوارس أشداء، تستنفرهم هيئة العزة ونخوة الرجال الملتهبة بالغضب، وكنت أراهم رؤية العين، وهم يدحرون الغاصب، ويتقدمون دوماً للأمام محمد عبد الله الهادي
فاقوس ـ مصر