قضايا أصول الفقه في كتابات المفكر الفلسطيني وائل حلاق

ابن عابدين لا يُعدّ آخر كبار فقهاء الحنفية فحسب، بل أيضاً أوّل من قدّم من الفقهاء على الإطلاق برنامجاً إصلاحياً لأصول الفقه في عهد الدولة العثمانية. 


حلاق ليس كاتباً كثير الإنتاج فحسب؛ بل من أهمّ المتخصصين في الدراسات الدائرة على الفكر الإسلامي في الجامعات الغربية


المفكر الفلسطيني يقارب القضايا الأصولية بمنهج علمي يخالف منهج المدرسة الاستشراقية

ما الذي يبرّر تأليف كتاب عن المفكر الفلسطيني وائل حلاق المتخصص بالقانون وتاريخ الفكر الإسلامي، في ظلّ مناخ فكري يعجّ بالقضايا المطروحة على الباحث؟
يتساءل د.حمّادي ذويب الأستاذ المحاضر بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في صفاقس تونس، مؤكدا أن هذا الاهتمام بحلّاق مرجعه إلى أنّ القارئ العربي لم يعرف هذا الكاتب إلا بعد أن أصدرت "دار المدار الإسلامي" ثلاثة كتب مترجمة من جملة مؤلفاته راجع ترجمتها د.فهد بن عبدالرحمن الحمودي. وهذه الكتب هي "تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام: مقدمة في أصول الفقه السني"، و"السلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي"، و"نشأة الفقه الإسلامي وتطوره". 
ويؤكد د.ذويب أن هذا النشر مثّل حدثاً مهمّاً؛ لأنّه مكّن الناطقين باللغة العربية من اكتشاف قيمة المنظومة الفكرية لهذا الباحث. وهذه المنظومة إن كانت أنتجت في الغرب وباللغة الإنجليزية فإنّ صاحبها عربي فلسطيني الأصل حصل على درجة الدكتوراه من جامعة واشنطن، ودرّس في جامعة ماكجيل في كندا، وتولى عمادة كلية الآداب التابعة لها. والملاحظ أنّه التحق للتدريس في معهد الدراسات الإسلامية في جامعة ماكجيل في سنة 1985، وقد تحصّل على الأستاذية سنة 1994، وأصبح منذ سنة 2005 أستاذ الفقه الإسلامي في هذه الجامعة، وهو يدرّس حالياً في جامعة كولومبيا في قسم دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا.
اختار د.ذويب دراسة فكر وائل حلاق في كتابه "قضايا أصول الفقه.. من خلال كتابات وائل حلاق" الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، لأنّه ليس كاتباً كثير الإنتاج فحسب؛ بل لأنّه أيضاً من أهمّ المتخصصين في الدراسات الدائرة على الفكر الإسلامي في الجامعات الغربية، وتحديداً في الجامعات الواقعة في أميركا الشمالية. وقد ألّف عشرات الكتب والمقالات التي يدرس أغلبُها مسائلَ تتعلّق بالفقه الإسلامي وتاريخه وفلسفته، وتشكّل النظام القضائي في الإسلام، والنظرية السياسية الإسلامية. وقد تُرجمت بعض كتبه ومقالاته إلى لغات عدة منها: العربية والعبرية والإندونيسية والإيطالية واليابانية والكورية والفارسية والتركية. 

حلاق فتح للباحثين مجالات لتوسيع البحث على غرار تطرّقه في مسألة الاستحسان إلى الأبعاد القيمية والأخلاقية والاجتماعية التي تُستفاد من تطبيق هذا الأصل، الذي كان يوظّف سبيلاً إلى العدل بدافع العقل والإنصاف

ويشير إلى أن حلّاق يستحق الاهتمام؛ فقد صُنِّف ضمن الخمسمئة شخصيّة الأكثر تأثيراً في العالم 2009. وما يبرّر الاشتغال به كذلك أنّ الكتب التي اهتمّت به في اللغة العربية هي، في أغلب الأحيان، ترجمات لا دراسات.
وتقوم دراسة د.ذويب التحليلية النقدية على بيان أنّ المباحث الأصولية ليست مقتصرة على ما يُكتب باللغة العربية؛ بل هي منتشرة في غيرها من اللغات، وأنّ اطلاع القارئ والباحث العربي على مثل هذه الدراسات يمكن أن يغني فكره ويوسّع دائرة نظره وآليات تحليله ونقده للتراث الأصولي القديم، ويضفي عليه مسحة معاصرة. وقد اختار أن تتركّب الدراسة من جملة من الأبواب تتكامل في بيان مختلف رؤى حلّاق في قضايا أصول الفقه المختلفة، من ذلك تخصيص باب أول تمهيدي يتضمّن تقديم كتاب حلّاق "تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام: مقدّمة في أصول الفقه السنّي"، باعتباره أهمّ كتاب مخصّص بكامله لعلم أصول الفقه وقضاياه المختلفة، ويحتوي أيضاً على فصل ثانٍ مكرّس لموقف حلاق من الشافعي مؤسساً لعلم أصول الفقه. 
وكان مدار الباب الثاني أصول التشريع الأربعة المعهودة منذ عصر الشافعي؛ ليلقي أضواء تحليلية نقدية سلّطها حلاق عليها. أمّا الباب الثالث فقد دار على بعض أصول التشريع الفرعية في مرآة حلّاق. وركّز الباب الرابع على بعض آليات الاجتهاد الأصولي لدى حلاق، وختمت بباب خامس تم عنونته بــ "رؤية تأليفية للأصول والمقاصد: نحو تجديد الأصول".
يوضح د.ذويب أنّ وائل حلاق يعمل، من خلال نشاطه الأكاديمي، على جبهتين أولاهما جبهة البحث في النصوص القديمة التي شكّلت المنظومتين الفقهية والأصولية، فضلاً عن منظومات العلوم الإسلامية التقليدية الأخرى لاقتناص المادة العلمية المكوّنة لبحوثه، وثانيتهما جبهة البحوث الحديثة التي كتبها الباحثون المحدثون والمعاصرون العرب والغربيون على حدّ سواء؛ ذلك أنّه ما من سبيل إلى الإضافة العلمية دون اطلاع على ما كتبه معاصروه ومن سبقهم في العصر الحديث.  
ويرى أنّ وائل حلاق يقارب القضايا الأصولية بمنهج علمي يخالف منهج المدرسة الاستشراقية، التي يقودها عدد من الأعلام من أهمهم يوسف شاخت، ذلك أنّه يسعى إلى تفكيك مرتكزات الفكر الاستشراقي من داخل نصوصه، ساعياً إلى إعادة صياغتها بما من شأنه الانسجام مع المعطيات التاريخية التي تغاضى عنها الاستشراق حتى يتوصل إلى مفهوم تاريخي للشريعة يخدم أهداف المشروع الفكري والسياسي والحضاري لقوى الهيمنة الغربية. 
ويؤكد د.ذويب أنه ترتّبت على دراسات حلاق، وعلى منهجه المخصوص في مقاربة القضايا الأصولية، نتائج متنوعة؛ منها مراجعة كثير من المسلّمات في تاريخ علم أصول الفقه من قبيل اعتباره أنّ ما استقرّ في البحث العلمي المعاصر من آراء في مسألة ريادة الشافعي في تأسيس علم أصول الفقه لا يصمد أمام الحجج والحقائق العلمية. ومن ذلك أيضاً توصله إلى حقيقة الخلافات التي تشقّ النظريات الأصولية، وهي خلافات لا يمكن التغاضي عنها تفنّد ما يدّعيه بعض الدارسين من اعتبار أصول الفقه كياناً منفرداً ومتحدّاً. 
استخلص حلاق، في دراسته للقرآن أصلاً من أصول الفقه، أنّ عملية جمع النص القرآني أدّت إلى إحدى أخطر وظائف القرآن، وهي الوظيفة التشريعية، إلا أنّ هذه الوظيفة لم يكن يتيسّر لها التحقّق إلا من خلال إثبات حجية نقل النص القرآني. وقد وقفنا على موقف التقدير الخاص الذي يكنه حلّاق للشاطبي من خلال إقراره بأنّ الوظائف التي ينسبها الشاطبي إلى القرآن والسنة، ومرتبة كلّ منهما داخل المنظومة الأصولية، ليس لها، في حدود علمه، سابقة في أصول الفقه.  
ويقول "عندما درس حلاق الأصل الثاني من أصول الفقه، تبيّن له أنّ من غير المعقول تأكيد أنّ مجموع الأحاديث التي بدأت تتنامى، انطلاقاً من بداية القرن الثاني للهجرة، قد وضعت بأكملها، ذلك أنّ هذا الرأي من شأنه إغفال السنن النبوية التي كانت موجودة قبل هذا التاريخ. ولئن كان حلاق يقصد بهذا الرأي النقدي المستشرقين بشكل خاص، فإنّه وجه سهام النقد أيضاً إلى علماء أصول الفقه القدامى، فقد صرّح بأنّ المحاولات التي قاموا بها لبناء قاعدة قرآنية للإجماع كانت فاشلة بما أنّ القرآن لا يوفّر دليلاً يقود صراحة ومباشرة إلى حجيّته. وممّا أسهم به حلاق، في مجال دراسته للقياس، تركيزه على التحليل المنطقي لهذا الأصل، وهو ما لم يكن محلّ اهتمام كبير لدى علماء أصول الفقه القدامى. 

دراسات قرآنية
وائل حلاق

لقد وسّع حلاق دائرة بحثه لتشتمل على الأصول الفرعية، ومن ذلك دراسته للعرف، وقد وصل في هذا الشأن إلى استنتاج مهم جداً يفيد أنّه لم يسبق الفقيه الحنفي بن عابدين أيّ فقيه في محاولة رفع العرف إلى تلك المرتبة التي رفعه إليها هذا الفقيه الحنفي، وهي مرتبة يتفوّق فيها على الأصول الأخرى ما عدا القرآن والسنة. ولمّا كانت نظرية ابن عابدين قد نشأت في محيطٍ تسود فيه الأصول التقليدية، كان الاصطدام بها حتمياً. وقد رأى حلاق أنّ ابن عابدين لا يُعدّ آخر كبار فقهاء الحنفية فحسب، بل أيضاً أوّل من قدّم من الفقهاء على الإطلاق برنامجاً إصلاحياً لأصول الفقه في عهد الدولة العثمانية. 
ويشير د.ذويب إلى أن توقف حلاق عند المصلحة أصلاً فرعياً للتشريع، ودرس موقف الطوفي منها، فلم يبدُ منبهراً بموقفه الذي قدّم من خلاله المصلحة على النص والإجماع في حالة التعارض بينها، وتوصل إلى أن موقف الطوفي القائم على حديث "لا ضرر ولا ضرار" لا يستقيم؛ لأنّه نص محتمل وغير قطعي الدلالة؛ لذلك تساءل تساؤلاً إنكارياً: كيف يمكن اعتبار نظرية المصلحة متفوّقة على القرآن والسنة والإجماع إذا كان سندها الوحيد حديث آحاد ظنيّ الدلالة؟ لم يكتفِ حلاق بدراسة القضايا الأصولية في العصور الماضية؛ بل درس أيضاً وضعها المعرفي في العصر الحديث، من خلال التوقف على إسهامات عدد من أعلام الفكر الإسلامي الحديث، من ذلك مثلاً نقده نزعة علال الفاسي إلى الانتقاء المتردّد من أصول الفقه التقليدية، فهو، من جهة، يدعو إلى ضرورة إعادة النظر في أصول الفقه حتى تستجيب للضرورات الحديثة، لكنّه، من جهة أخرى، يظلّ متردّداً في ترك التفسير النصي التقليدي على الشاكلة التي يظهر من خلالها في القياس والاستحسان. ويستخلص حلاق أنّ عجز الفكر الإسلامي الحديث عن وضع نظرية قانونية تنبع من صلب مفهوم المصلحة استمرّ، على الرغم من مرور نصف قرن على وفاة رشيد رضا. 
ويلفت إلى أنّ كثيراً من تحليلات حلاق تأثرت بغياب الاطلاع الواسع والشامل على كثير من المصادر الأصولية، وعلى مختلف التيارات التي ساهمت في التدوين الأصولي، من ذلك مثلاً أنّه في بحثه الخاص بالأدلة القرآنية، التي بنى عليها الأصوليون سلطة الإجماع، غاب عنه التمييز بين تيارين رئيسين اختلفا في التعامل مع الأدلة القرآنية هما: تيار الأصوليين الفقهاء من جهة، وتيار المتكلمين الأصوليين من جهة أخرى. والظاهر أنّ غياب الاطلاع الشامل لدى حلاق جعله لا يتفطّن إلى أنّ عدداً من علماء أصول الفقه السنيين نقدوا حجة التواتر المعنوي في بناء حجية الإجماع، فعلى الرغم من معرفته بكتاب الطوفي "شرح مختصر الروضة" لم يتطرّق إلى موقفه النقدي المتمثّل في إدراك صاحبه ضعف حجة الأصوليين المتمثلة في التواتر المعنوي لأحاديث إثبات سلطة الإجماع. 
لقد آثر حلاق، في كثير من المباحث، السلامةَ، وتجنب إثارة مواطن الحرج في التاريخ الإسلامي، من ذلك سكوته عن الخوض في تفاصيل جمع النص القرآني، ولعلّ ما يبرّر موقفه هذا أنّ ما يعنيه أساساً هو أنّ عملية الجمع أدّت إلى إحدى أخطر وظائف النص القرآني، وهي الوظيفة التشريعية. 
ويخلص د.ذويب إلى إنّ حلاق أضاف إلى الدراسات الأصولية المعاصرة إضافات معتبرة جديرة بالتنويه، فقد كسر سلطة البداهة والتسليم بحقائق كثيرة، ودعا إلى مراجعتها، وفتح أبواباً للنقد وزوايا نظر لمقاربة القضايا الأصولية لم تكن معهودة، وسعى إلى ترسيخ مقاربة أخلاقية للأصول الفقهية تتجاوز المقاربة التشريعية من ذلك سعيه إلى التخلص من الوظيفة التشريعية للقرآن، والتركيز، في مقابل ذلك، على الجوانب الأخلاقية فيه. فالقرآن، في نظره، لا يرمي إلى فرض واجبات دينية على الناس خالية من اعتبارات الرحمة والعفو ورفع المشقة عن الناس. 
وفتح حلاق للباحثين مجالات لتوسيع البحث على غرار تطرّقه في مسألة الاستحسان إلى الأبعاد القيمية والأخلاقية والاجتماعية التي تُستفاد من تطبيق هذا الأصل، الذي كان يوظّف سبيلاً إلى العدل بدافع العقل والإنصاف.