قطر: البحث عن مكان آمن للدولة المرعوبة!

بقلم: حمد المري

خريف العرب دائماً ما يكون موجعاً ومشتتاً للأوراق خاصة للدول التي لازالت تعاني من عقدة الشعور بالنقص والخوف من الاندثار والاحتواء من المحيطين بها. ذلك ما صحت عليه قطر في الثلاثين من سبتمبر 1992 عندما أعلنت أن مركز الخفوس الحدودي تم الاستيلاء عليه من قبل القوات السعودية وقتل اثنين من أفراده وطرد الباقين منه. ولكنها لم تجد أحداً يأبه لتلك الصرخة من الدولة الصغيرة المذعورة. فموازين المصالح السياسية والاقتصادية لا تسمح بالاهتمام بها من قبل اللاعبين الكبار في عالم السياسة!

ذلك الدرس الموجع والذي أبان لقطر ضآلة وزنها السياسي المقارب لحجمها الجغرافي والسكاني وكان حجر الزاوية لتغيير بوصلة اتجاهها بشكل جذري وبوتيرة متسارعة قبل أن تجد نفسها أثرا بعد عين في منطقة ملتهبة تتجاذبها قوتين إقليميتين كُبريين: ايران والسعودية. الأولى وطموحها الرافضي المسعور لتصدير الثورة الخمينية والقضاء على الحكومات السنية العربية فيما تُصرّ على تسميته بـ"الخليج الفارسي". والسعودية مركز الثقل الخليجي والتي كان دورها محورياً في استعادة الكويت وقدرتها على خلق تحالف عالمي لإخراج صدام حسين، فكيف والمتهجم على قطر هذه المرة هي السعودية نفسها!

بدأ التحوّل بالانقلاب على الحاكم السابق من قبل ابنه حمد بن خليفة في عام 1995 والذي اختط لسياسته من أجل قطرٍ خططا مختلفة وبعدّة مسارات لم تضع في الاعتبار أي وزن لعلاقاتها بجيرانها بعد ذلك الحادث والذي أفقدها الثقة بالجميع ولا بأهمية وجود عمقٍ استراتيجي لها من دول الجوار. فما يُحرّك قطر ليس جنون العظمة كما يظن البعض، بل هو الخوف من الزوال ورغبة عارمة في الانتقام ممن خذلها حسب اعتقاد مسيّري السياسة لديها!

أول هذه المسارات: افقاد السعودية ومصر تحديداً الزخم السياسي الذي تحظيان به في أروقة البيت الأبيض من خلال خطب ودّ الولايات المتحدة بمبادرات جريئة كانت بدايتها باستضافة أكبر قاعدة عسكرية أميركية خارجية في العالم وفتح خط تواصل رسمي مع اسرائيل ومحاولة كسب ودّها الأمر الذي لم تكن السعودية أو أيّ من دول الخليج لتجرؤ عليه على خلفية مواقفها الرسمية المساندة للشعب الفلسطيني وعلى قوة التأثير السلفي الوهابي في مراكز اتخاذ القرار السعودي.

ثانياً: خلق أداة إعلامية ذات طرح مختلف تكون بمثابة رأس الحربة للسياسة القطرية لتمرير أجندتها التفكيكية لشعوب المنطقة. وذلك ما تم عام 1996 بإنشاء قناة الجزيرة والتي لفتت انتباه الشارع العربي بجرأتها في الطرح وطرق مواضيع كانت تُعَد من المحرمات في عالم السياسة العربية. ولم تسلم دولة عربية من سياط الجزيرة واستضافتها للمنشقين أو المعارضين لسياسات تلك الدول. وكان من الطبيعي أن تحظى السعودية بنصيب الأسد من تلك السياط، فظهور المعارضين محمد المسعري وسعدالفقيه كان من الوجبات المحبب عرضها دوماً على شاشة القناة نكايةً بالجارة الكبيرة!

ثالثاً: المراهنة على ورقة الحركات الإسلامية لعلمها بأن الشعوب العربية عاطفية في المقام الأول Emotion-Oriented Societies وبأن الصوت السياسي الذي تسربل من رأسه لأخمص قدميه بالشعارات الدينية سيجد قبولاً ساحقاً خاصة في الدولة التي أفدح فيها حكم العسكر واستشرى شرّه كمصر وليبيا وتونس وسوريا والجزائر. لذلك تقاربت قطر مع كل الحركات الإسلامية المعتدل منها والمتطرف، فكان من المألوف استضافة الشيخ عباسي مدني زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر ولفترة طويلة، ثم نجدها فتحت أبوابها مراراً للشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية، كما أن تحالفها مع قادة حماس الفلسطينية لم يكن خافياً، ووظفت دعمها الكبير للتيار الإسلامي بالسودان ممثلة برئيسه عمر البشير. والملفت أنها بعد فترة من ركوب الموجة مع كل أطياف التيارات الإسلامية انتهت لاحقاً لوضع كامل ثقلها مع جماعة الإخوان المسلمين. ويبدو ذلك جلياً في استضافتها ومنح جنسيتها لرمز الجماعة وأبيها الروحي يوسف القرضاوي وتبنيها للفكر السياسي الاخواني والذي نضج كثيراً في ساحتها الرئيسية بمصر خلال فترة الصدام والممانعة أيام جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك.

ويؤكد المفكر المصري مأمون فندي في مقال بصحيفة "الشرق الأوسط" أن تغلغل الإخوان المسلمين في مراكز اتخاذ القرار القطري وصل لدرجة أن يكون 50% من طاقم قناة الجزيرة من أعضاء الجماعة. وكان من الواضح أن القناة أصبحت ممر هذه الجماعة تحديداً لإعادة تقديم نفسها وأفكارها بطريقة ترتضيها متطلبات المرحلة ولتسوّق لخطابها المعتدل مقارنة براديكالية القاعدة وتطرفها. ويكاد يكون من المحال تذكّر وجه من رموز هذه الجماعة لم يطلّ علينا من خلال الجزيرة القطرية.

رابعاً: بناءً على المسار الثالث أعلاه ونجاحه حتى الآن، قدّمت قطر نفسها للولايات المتحدة والغرب تحديداً كمعبر رسمي وحيد لأي تواصل مع جماعة الإخوان المسلمين. ورغم العداء القديم بين الاخوان وأميركا لـ"سالف" موقفها المعادي لإسرائيل، إلا أن اختلاف لهجتها السياسية وغزل زعامات الجماعة بعدو الأمس من خلال التأكيد على احترامهم لكافة المعاهدات السابقة وتبوئ الاخوان لحكومات تونس والمغرب ومصر وليبيا وربما سوريا جعل زعيمة العالم تفتح صفحة جديدة معها لـ"تدجين" الثورات وحكوماتها بما لا يمس مصالح الغرب وأمن اسرائيل، كل ذلك من خلال قطر راعية الإخوان المسلمين وداعمتهم الأولى.

خامساً: الايمان بمبدأ "الدفاع من خلال الشهرة" ففي شبه جزيرة ضئيلة الحجم ودون جيش تقريباً ودون كثافة سكانية عمدت قطر لتبقى ماثلة في المشهد العالمي إلى اظهار نفسها في الأماكن التي تحظى بمتابعة عالية أو تمثل قيمة مختلفة. لذلك سارعت إلى شراء متجر هارودز الشهير، وأسالت ملايينها لُعاب الفريق الإسباني الشهير برشلونة ليحمل اسمها على قمصانه، وتملّكت النادي الذي يحظى بحب الرئيس الفرنسي ساركوزي ألا وهو باريس سان جيرمان، ثم كانت أيقونة التاج استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022 وباستثمارات هائلة قد تترك الدولة الصغيرة على شفير الإفلاس!

سادساً: الأخذ بما تفعله اسرائيل كدولة صغيرة الحجم في وسط معادٍ يفوقها حجماً وسكاناً بافتعال المشاكل وتحريك بعض الملفات السرية لتوتير العلاقة بين الحكومات العربية وشعوبها لإشغال هذه الحكومات بمشاكلها الداخلية، وتم تتويج ذلك بمد يد الصداقة لاسرائيل والتزلّف لأميركا من خلال حليفتها المحببة في المنطقة. ويقول الكاتب الاسرائيلي سامي ريفيل في كتابه 'قطر واسرائيل.. ملف العلاقات السرية': "إن السبب الرئيسي لانتفاخ الدور القطري يعود الى الدور المناط بها كصندوق بريد سريع نشيط لخدمة الكيان الاسرائيلي"، مشيرا الى الدور الذي لعبته قطر في تشجيع العديد من الدول العربية ولا سيما دول المغرب العربي على الانفتاح تجاه الكيان تحت عناوين اقتصادية علناً وامنية سراً.

هذه المسارات المعقدة احتاجت لمجهودات جبّارة من عرّابي السياسة القطريين سواء الأمير حمد نفسه أو رئيس وزراءه حمد بن جاسم بن جبر. وبدلاً من أن يتجه الاهتمام لبناء الداخل والتركيز على أطر وتفاصيل التنمية الشاملة بقطر، نجد أنّ الثقل بأغلبه يتجه للعب بالنار ومحاولة القفز على ثوابت الجغرافيا والواقع المشترك ومكونات النسيج الاجتماعي بالخليج العربي، وهو أمر وإن كان قد آتى ثماره الآنية بظهور قطر كلاعب مهم على الساحة الإقليمية، إلا أنه يحمل في طيّاته الكثير من ارهاصات المستقبل المظلم بعد أن عملوا بأنفسهم على الانسلاخ من محيطهم وفقدوا عمقهم الاستراتيجي في الخليج بموالاتهم لجماعة الاخوان المسلمين المناهضة للحكومات الخليجية والبدء في محاولات ضرب هذه الحكومات من الداخل بتحريك الخلايا النائمة لهذه الجماعة والتي عرفنا من متابعة مراحلها منذ أيام مؤسسها حسن البنا أن لا ثابت لديها بل هي تتشكّل وفقاً للظروف والمعطيات حتى إذا واتتها الفرصة لن تتوانى عن عض ذات اليد التي أطعمتها بالأمس وذلك ما ينتظر قطر!

ينقل الكاتب سامي كليب في مقالٍ له بصحيفة السفير عن مسؤول في حركة حماس قوله: "إنّ وجه الوطن العربي والعالم الاسلامي كان سيتغير لو نجح التحالف بين الاخوان المسلمين وايران"! وهذا التصريح ينبئ عن مؤامرات هذه الجماعة على بلداننا من خلال التحالف مع ايران وملاليها المحترقين بكراهية العرب السُنّة من أهل الخليج بالذات. لكن هذا أمر لا يعني شيئاً لجماعة بنت أيديولوجيتها الخاصة وكأنها التفسير الصحيح الوحيد للإسلام وتلطخ تاريخها بالاغتيالات والصراعات الدموية مع خصومها في سبيل مصالحها الخاصة. فما يهمها هو أن تزفّ خيرت الشاطر من معقلها بالمقطم إلى قصر العروبة بمصر الجديدة. أمّا بقية "الرفاق" في الخليج فليس أدلّ على احتقار الجماعة الرئيسية لهم من وجوب أخذ البيعة لكل فردٍ منهم للمرشد الأعلى. فدورهم هو أن يكونوا أذناباً يأتمرون بأوامر سادتهم من سدنة المقطّم والتي خرج متحدثهم محمود غزلان ليُهدّد دولة الإمارات الشقيقة بقلب العالم الاسلامي بأكمله عليها لو ألقت القبض على دكتورهم القرضاوي بعد تعدّيه على الحكومة الشقيقة من الدوحة وبسكوت (الراضي) من حكومة آل ثاني والتي يبدو أنها تتذاكى بصورة مبالغٍ فيها ولا تكاد ترى أنها أصبحت أداة سياسية ومالية وإعلامية في يد أتباع حسن البنّا يوجّهونها لبناء امبراطوريتهم والتي لهجت بها أدبيات سيد قطب ومحمد الغزالي ومحمد قطب وسعيد حوّى.

كان بإمكان قطر أن تُحاكي تجربة نجاح لي كوان يو في بناء سنغافورة الجديدة رغم أن مساحتها لا تتعدى مساحة الدوحة وأغلبها لم تكن سوى مستنقعات آسنة، أو أن تستلهم قصة ماليزيا الحديثة من خلال القيادة الفذة لمهاتير محمد وخلق دولة منتجة يشار لها بالبنان رغم تنافرها الإثني سابقاً. بل كان بإمكانها أن لا تذهب بعيداً وتستلهم مسيرة الشيخ زايد في الإمارات وكيف خلق دولة تحظى باحترام الجميع رغم وجودها في أتون منطقة ملتهبة إلا أنها بقيت دون عداوات ووجّهت تركيزها لبناء الداخل وتعميره دون توغّل في متاهات شؤون الدول الأخرى والتآمر عليها بدعوى أن تفكيك الآخر سيحمي المتآمر من التفكك. وكم استوقفتني الكاتبة القطرية سهلة آل سعد في مقالها "أسباير بائعة الوهم" وهي تتحسّر على علوّ صوت الشكل على الجوهر في قطر والتسارع الغريب لتلميع كل شيء أمام العالم حتى لو كانت الحقيقة محزنة، فتقول عن مركز أسباير الخاص بتفريخ المبدعين الرياضيين: "في الواقع على كثرة إلحاح وجري أسباير وراء الأطفال –سابقاً- تخيّلنا أن مونديال 2022 لن يقوم إلا على مواهب هؤلاء الصغار وأن ولادته ستعلن عن ولادة كوكبة وطنية (صُنعت في قطر) لا (جُنّست في قطر) ولكن يبدو أنّه وكما جرت العادة يُفضّل التجنيس على المواطنة والأجانب على المواطنين سدّاً للخلل وإظهاراً للتفوّق الوهمي!"

لا نحمل لقطر إلا الحب، ولكن ما يجري خلف كواليس ساستها أمرٌ لن يكون نتاجه خيّراً في المستقبل، وإنّ التباهي بأن لهم دوراً رئيسياً في أغلب ثورات الربيع العربي وفي فرض اسماء بعينها لرئاسة حكومات ما بعد الثورات ليس من الحكمة في شيء. وإن كان اعتمادهم على علاقتهم بالولايات المتحدة فمن المهم أن يعلموا أنها قد باعت عملاءها السابقين فرداً فرداً بعد أن استوفت مبتغاها من وجودهم، بدءاً من صدام حسين ومروراً بحسني مبارك وبن علي والقذافي ولن يكون آخرهم حمد بن خليفة، وإن كان فرحهم أنهم سلّموا بلدان ثورات الربيع العربي لحكومات (إخوانية) شبّ شاربها واشتدّ ساعدها من المال والرعاية القطرية فليعلموا أنّ الإخوان قد اغتالوا رؤساء حكوماتهم في مصر أيام تزلّف حسن البنا لملك مصر والتودّد بالخطابات والرسائل المتملقة، ثم انقلابهم على ثورة 53 وسجالهم الدموي مع عبدالناصر والسادات ومن نكث بأهله وباعهم لن يتورّع أن يبيع من لا يعتبرهم إلا "بدواً جُهالاً" يتحكمون بأموالٍ هائلة ليسوا جديرين بها وإنّ غداً لناظره قريب يا قطر!

حمد المري