قطر تتوارى خلف الإنكار لمداراة وفيات عمال وافدين

الدوحة تستمر في سياسة الهروب إلى الأمام للتملص من المسؤولية عن وفاة عشرات العمال الوافدين على خلاف بحوث وأراء مختصين أكدت أن أسباب الوفاة ناجمة عن ضربات الشمس والإجهاد الحراري.



الدوحة تقفز على نتائج علمية لأسباب وفيات عمال في المونديال


قصور واضحة في الإجراءات القطرية لحماية سلامة العمال الأجانب


قطر اتخذت بالفعل إجراءات تحت ضغوط دولية لضمان سلامة العمال


تقرير حقوقي يسلط الضوء على مآس تحت الشمس في قطر

الدوحة - واصلت الدوحة سياسة الهروب إلى الأمام للالتفاف على الانتقادات الغربية واتهامات منظمات دولية لها بانتهاك حقوق العمالة الوافدة وبشكل خاص العمال في المنشآت الرياضية التي يجري إعدادها لاحتضان فعاليات مونديال 2022.

وأنكرت إنكارا تاما صحة ما ورد في تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش كان قد أشار مؤخرا إلى أن الوفيات في صفوف العمال الأجانب في قطر ناجمة أساسا عن الإجهاد الحراري.

وبذلت الدوحة جهودا لتحسين ظروف العمل في المنشآت الرياضية، إلا أن تقارير دولية سلطت الضوء على قصور في أكثر من جانب وأن تلك الإجراءات تبدو غير كافية لوقف استنزاف العمالة الوافدة صحيا وجسديا، لكن الدوحة ردّت بأن ما أوردته المنظمة الدولية المعنية بحقوق الإنسان يدخل في إطار ما وصفته بـ"التضليل".

وليس من مصلحة قطر في هذا الظرف تحديدا أن تصدر أي تقارير من قبيل التشكيك في إجراءات حماية العمال الأجانب وتحسين ظروف العمل فذلك يشكل بالنسبة لها تشويشا أو تشويها لصورتها التي تسعى لتسويقها عالميا كوجهة رائدة في مجال رعاية العمالة الوافدة ومن ضمنها تلك التي تشتغل في منشآت المونديال.

وسياسة الإنكار ليست إلا ضربا من ضروب الهروب إلى الأمام في التعاطي مع ملف خرج من سياقه المحلي والإقليمي الضيّق إلى الفضاء الدولي مع تنامي عدد الوفيات في منشآت المونديال.

ودافع مساعد مدير مكتب الاتصال الحكومي للتخطيط في قطر الشيخ جاسم بن منصور آل ثاني عن جهود بلاده في تحسين ظروف العمل، قائلا إن الدوحة عملت لعدة سنوات مع المنظمات الدولية والشركاء الآخرين لضمان رفاهية وسلامة جميع العمال.

وأشار إلى أن بلاده وبفضل التنسيق والتعاون مع تلك الجهات أصبحت رائدة في مجال رعاية العمال وسلامتهم في المنطقة، مضيفا أيضا أن هناك زيارات تفتيشية منتظمة لمواقع العمل من أجل التأكد من تنفيذ قرار يتعلق بتحديد ساعات العمل خلال الصيف. وقال إنه تم إغلاق أكثر من 300 موقع بأمر من المفتشين خلال الصيف الماضي.

عامل نيبالي في احدى منشآت المونديال
عامل نيبالي في احدى منشآت المونديال

والمؤكد أن الدوحة اتخذت إجراءات صارمة لتأمين سلامة العمال في المنشآت الرياضية وغيرها تحت وطأة الضغوط الدولية، إلا أن ذلك لم يحجب القصور في التنفيذ أو الالتزام بتطبيق معايير السلامة الدولية للعمال.

واستفز تقرير هيومن رايتس ووتش الأسبوع الماضي الدوحة بعد أن طالبها بفتح تحقيق فوري في وقائع وفاة عمال وافدين، مشيرا إلى أن تلك الوفيات ناجمة على أرجح التقديرات إلى ضربات الشمس والإجهاد الحراري بسبب العمل في أوقات محظورة من النهار.

لكن المسؤول القطري أكدّ في المقابل أن بلاده تدرك خطر الإجهاد الحراري خلال فصل الصيف وأنها عملت على تفاديه من خلال إعداد ونشر إرشادات موجهة لأصحاب العمل بالشراكة مع منظمة العمل الدولية.

وقال إن ذلك يأتي كإجراء لتقييم المخاطر والتخفيف من حدة خطر الإجهاد الحراري، معلنا أن السلطات القطرية أعدت بالفعل دراسة شاملة حول تأثير الإجهاد الحراري بالتعاون مع منظمة العمل الدولية واللجنة العليا للمشاريع والإرث، مضيفا أنه سيتم استخدام نتائجها في جميع القضايا المتعلقة بالصحة والسلامة.

وتساءلت 'هيومن رايتس ووتش' أمس الجمعة  "متى ستوفر قطر ظروف عمل مناسبة للعمال؟ العمل في الصيف، حتى في غير الأوقات المحظور العمل بها، يؤدي إلى إجهاد حراري قد يسبب الوفاة.

وكانت قد قالت في تقرير نشر يوم الخميس، إن "على قطر أن تحقق بدقة وفورا في الأسباب الكامنة لوفاة العمال الوافدين وأن تعلن نتائج تحقيقاتها في ضوء البحوث الطبية التي خلُصت إلى أن ضربة الشمس هي السبب المُرَجَح للوفيات المتصلة بمضاعفات في القلب والأوعية الدموية لدى هؤلاء العمال في قطر. على السلطات القطرية أن تعتمد وتطبّق فورا قيودا ملائمة على العمل في الهواء الطلق لحماية العمال من المخاطر القاتلة المتصلة بالحرارة العالية".

واستندت المنظمة الدولية في تقريرها إلى بحوث طبية وأراء مجموعة من المختصين في مجالي المُناخ وأمراض القلب في إطار بحث نُشِر في دورية 'كارديولوجي جورنال'.

وأوضحت أن البحث ركز على الصلة بين وفاة أكثر من 1300 عامل نيبالي من 2009 إلى 2017، والتعرض للحرارة، قائلة إن الباحثين توصلوا إلى وجود ارتباط قوي بين الإجهاد الحراري ووفاة العمال الشباب جراء مضاعفات تصيب القلب والأوعية الدموية، في أشهر الصيف.

وأشارت هيومن رايتس ووتش أيضا إلى تحليل أجرته صحيفة الغارديان البريطانية صدر في وقت سابق من أكتوبر/تشرين الأول لبيانات حالة الطقس الرسمية لفترة 9 أشهر.

وتابعت أن هذا التحليل أكدّ بدوره على أن العمال الذين يعملون في غير الأوقات المحظور العمل بها في الصيف بقطر، لا زالوا عرضة بانتظام لمستويات من الإجهاد الحراري قد تكون قاتلة.

لا يمكن لقطر الادعاء بأنها تصون حقوق العمال الوافدين طالما هي تتجاهل الدعوات الملحة والمتكررة لإجراء إصلاحات كفيلة بإنقاذ الحياة لحماية العمال من الحرارة

واتهمت سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط في 'هيومن رايتس ووتش' قطر بأنها لم تحقق في أسباب الوفيات المفاجئة وغير المتوقعة لعمال وافدين من الشباب الأصحاء، معتبرة أن هذا يعكس لامبالاة من قبل الدوحة بأرواح العمال.

وتابعت "لا يمكن لقطر الادعاء بأنها تصون حقوق العمال الوافدين طالما هي تتجاهل الدعوات الملحة والمتكررة لإجراء إصلاحات كفيلة بإنقاذ الحياة لحماية العمال من الحرارة".

واعتمدت المنظمة الدولية في تقريرها على نتائج تحقيق آخر نشرته الغارديان البريطانية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول استند على بيانات مصادر نيبالية وهندية رسمية، أظهر أنه تم تسجيل مئات الوفيات في صفوف العمال النيباليين والهنود بين 2012 و2017 وأن الوفيات كانت تعزى عادة لـ"أسباب طبيعية".

وفقا لتحقيق الغارديان فإن الوفاة في 676 حالة من بين 1025 حالة على الأقل لوفيات عمال نيباليين في قطر بين 2012 و2017 و1345 حالة من 1678 حالة لعمال هنود في قطر بين 2012 وأغسطس/آب 2018 كانت تُعزى إلى "أسباب طبيعية"، بحسب تقرير هيومن رايتس ووتش.

وأضاف التقرير أيضا أنه "باستخدام بيانات مستمدة إلى حد كبير من شهادات الوفاة الصادرة في قطر كانت الأسباب المذكورة تتراوح بين السكتة القلبية والنوبة القلبية وفشل الجهاز التنفسي والإعياء".

 وقالت إن هذه "مصطلحات تخفي الأسباب الكامنة للوفيات وتجعل من المستحيل تحديد ما إذا كانت متصلة بظروف العمل أم لا، مثل التعرض الإجهاد الحراري"، موضحة أنه لم يتسن لها التحقق بشكل مستقل من هذه البيانات.

وفي تقريرها المطول حول وفاة المئات من العمال الوافدين، أشارت إلى أنه حينما تعزى أسباب الوفاة إلى أسباب طبيعية وتدرج ضمن الوفيات غير المترتبة عن العمل، يحرم قانون العمل القطري الأسر من التعويضات ويترك عائلات كثيرة معدمة في غياب المتوفي الذي يكون غالبا معيلها الوحيد.