"قلب آيل للخضرة" اجتماع العام والخاص

ديوان رقية الحارثية الفائز بجائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية جاء في 94 صفحة.


مُدّي إليّ معابراً قدسيَّةً ** يطفو عليها القلبُ ساعةَ يُخذَلُ


إلهي صعدتُ إليكَ كما يصعدُ الوردُ عن حَشرَجاتِ الرَّدى

عمّان ـ حفلت قصائد الشاعرة العمانية رقية الحارثية في مجموعتها "قلب آيل للخضرة"  بعدد من القضايا العامة والخاصة، التي أوصلتها إلى القارئ عبر نفس شعري مكنها من الإحاطة بموضوعاتها، ولغة أتقنت تجسيد الأفكار بأيسر الطرق.
وجاءت المجموعة، التي فازت مؤخرًا بجائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية (فئة الشعر) في دورتها الثالثة، في أربع وتسعين صفحة من القطع المتوسط، وصدرت في العام 2020 عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن في إطار برنامج النشر للجمعية العُمانية للكتاب والأدباء. 
وفي جميع القصائد كانت خلجات الشاعرة حاضرة حضورا طازجا، كقولها مخاطبة الوطن:
«للموتِ رائحةُ الرمادِ
وأنتَ تعبرُهُ بعكّازين وحدَكَ يا وطنْ
أيُّ الفيافي طهَّمتْكَ بلونِها ذاك المساءَ الفَوضَوي
أيُّ المواجعِ مَوْسَقَتْكَ رياحُها حتّى اكتويتَ
وناوَرَ الروحَ الرَّدى؟؟»
أو قولها مخاطبة أمّها:
«مُدّي إليّ معابراً قدسيَّةً ** يطفو عليها القلبُ ساعةَ يُخذَلُ
لُفّي نجومي المثخناتِ جميعَها ** كضيا نبيٍّ بالسما يتزمَّلُ
وخُذي فؤادي نحوَ دكّان الرؤى ** ليفيقَ وردٌ في الرئاتِ ويُسدَلُ»
ومع اجتماع العام بالخاص في الديوان استطاعت الشاعرة أن توحّد الرؤية لتخرج من قلب المأساة أملا، ويزهر الحزن حباً:
«يا نهرُ
دعهمْ على نارِ الخطيئةِ يأكلون دخانَها
ولنا الحياةُ إذا رَوَوا أنَّ الهوى كفرٌ تهافَتَ في دواخلِنا مَداهْ
"للحبِّ أنْ يختارَ جنَّتهُ"
ويصهلَ ذارفاً مطرَ الخلودِ على عُروقِ حياتِنا
منهُ ابتُعثنا
وإليهِ نأوي والبياضُ يحجُّ شطرَه
وعليهِ نُرخي عطرَ سجدتِنا الأخيرة»
واستخدمت الشاعرة أوزانا عديدة سكبت فيها قصائد ديوانها، فجاء وزن عدد من القصائد على شعر التفعيلة مثل "هذا المهيأ للسماء" و"وطن يموسقه الوجع" وقصائد أخرى.. بينما التزمت في عدد آخر من القصائد عمود الشعر العربي، فجاءت - على سبيل المثال - قصيدة "التي سُفح ضوؤها" على البحر الطويل، و"أمكنة مأهولة  بالغياب" على البحر الكامل، و"كظل بعثرته الريح" على البحر البسيط، و"شتاتا إذن" على البحر الوافر. وهذه القدرة على تنويع الأوزان تدل على موهبة الشاعرة وتمكنها من اللغة والأوزان في آن معا. 
ولم يخلُ الديوان من نفس صوفي ختم القصائد جميعها بمناجاة ربانية بديعة:
«إلهي
صعدتُ إليكَ كما يصعدُ الوردُ عن حَشرَجاتِ الرَّدى
كما يُزهرُ الأولياءُ إذا أذَّنَ الشوقُ ذاتَ اجتياح
أتيتُك يوماً وكادَ التوحُّدُ يشطحُ بي للتلألؤ
أحبّك ربي وإن خضتُ في غمرةِ الوقتِ ليلي
وأفلتُّ من أضلُعي كلَّ نورٍ مباحْ
رأيتُك حبّاً جليّاً تُنزّل في عشبِ ذاتي الغِنى
وتُشرقُ فيهِ الصباح».