قوالب الأغنية العربية (4 / 5) المونولوج

المونولوج الفكاهي لا ينتمى نظما إلى المونولوج الشعري

المونولوج قالب حديث من فن الغناء العربي، وقدمه لأول مرة سيد درويش عام 1920.

يعود أصل كلمة مونولوج إلى اللاتينية القديمة ومعناها الأداء المنفرد، والشق الأول من الكلمة مونو معناه مفرد، وتشير التسمية اصطلاحا إلى أن النص عبارة عن مقطع واحد يؤديه فرد واحد، ويقابلها فى نفس اللغة الديالوج ومعناها الأداء الثنائي أو المزدوج أو الحوار بين اثنين.

والمونولوج الغنائي ليس له علاقة بالمونولوج الفكاهي الذي سيأتي ذكره فيما بعد.

• نظم المونولوج

يتكون المونولوج نظما من عدة أبيات تطول أو تقصر سمتها الأساسية عدم تقسيم النص إلى مذهب ومقاطع حتى وإن اختلفت قوافيه، وتسترسل أبياته في نسيج واحد للنهاية، وبالتالي عدم العودة إلى المدخل لا نظما ولا غناء.

• أغراض شعر المونولوج

تباينت أغراض شعر المونولوج بين الحب والوصف وغلب عليه الطابع الرومانسي.

• تلحين المونولوج

تواجه الملحنين التقليديين مشكلة عدم تقسيم النظم إلى مقاطع، فتكوينه يحول دون استقلال أي جزء، كما يمنع إيجاد مرجع للعودة إليه، وبالتالي فإن صناعة لحن المونولوج أصعب من غيره لاحتياج الملحن إلى صنع دراما لحنية متماسكة طوال اللحن، وهي مهمة لا يقدر عليها إلا المتمكنون من فن التلحين.

ورغم أن المونولوج كقالب فني يمنح الملحن حرية واسعة في صياغة لحنه لا توفرها معظم الأشكال الأخرى، وعلى حين التزم سيد درويش بنهج المونولوج المسترسل فلم يكرر فيه أي جملة لحنية، فإن بعض الملحنين لجأوا إلى سلوك التلحين التقليدي بالعودة إلى لحن المدخل دون وجود مذهب نصي، وذلك بصياغة بيت في وسط النص على لحن المدخل بعد وقفة غنائية قد يتبعها لازمة موسيقية للتمهيد إلى بقية النص الذي قد يصور موقفا جديدا يريد الملحن التعبير عنه بمقام جديد أو إيقاع مختلف.

وقد فعل هذا محمد عبدالوهاب في مونولوجه الشهير "أهون عليك" في بدايات تلحينه للمونولوج عام 1928، وهذا التصرف يشبه إلى حد كبير تلحين الدور الذي، وإن لم ينطو على إعادة نصية للمذهب، فقد يعاد لحن المذهب على أول أبيات المقطع أو الغصن التالي بعد ختام الغصن الأول كما في أدوار سيد درويش.

• خصائص لحن المونولوج:

الدراما اللحنيـة: يعتمد اللحن على رؤية الملحن الدرامية والتعبيرية، فإذا تولى فرضا تلحين نفس المونولوج أكثر من ملحن تأتي ألحانهم أكثر تباينا مما لو تولوا تلحين نفس الطقطوقة مثلا أو الأغنية.

اللزم الموسيقية: رغم احتمال وجود مقدمات موسيقية تمهيدية في معظم الأعمال، فإنه لا يمكن توقع أماكن اللزم الموسيقية أو وجودها من عدمه.

ذروة اللحـن: قد تجئ في أى موضع من النص وقد يمكن أو لا يمكن التكهن به.

الختام: قد يجئ الختام هادئا، وقد يخرج عن المقام الأساسي.

• غناء المونولوج

تقع مسئولية نجاح المونولوج على الملحن بالدرجة الأولى، ولذا فإن أداء المطرب محدد سلفا بقدرة الملحن على تقديم لحن متماسك، وبعكس الطقطوقة مثلا فإن البناء الدرامي لا يمكن توحيده أو إيجاد سمات مشتركة تتصف بها ألحان المونولوجات كما أسلفنا في عرض خصائصها، ولذا فإن المطرب يُحرم من التهيؤ لأداء مقاطع منفصلة وعليه أن يعبر عن الخط اللحني كعرض متصل حتى النهاية، والتالي فإن تقييم السامع لأداء المونولوج ربما لا يتسنى له إلا بعد الاستماع للعمل بالكامل.

• تاريخ المونولوج

عام 1920 ظهر أول مونولوج "والله تستاهل يا قلبي" لحن سيد درويش مقام عجم، وكلمات أمين صدقي في أوبريت "راحت عليك"، وقد سجله سيد درويش بصوته على أسطوانة كما غنته المطربة حياة صبرى.

عام 1924 إلى 1928 كتب أحمد رامي عدة مونولوجات كانت من نصيب أم كلثوم بألحان للدكتور أحمد صبري النجريدي ومحمد القصبجي أشهرها "إن كنت اسامح" للقصبجي.

عام 1928 محمد عبدالوهاب متحفزا بنجاح أم كلثوم الهائل في "إن كنت اسامح" يقدم من نفس القالب "في الليل لما خلي" لأحمد شوقي، و"أهون عليك" ليونس القاضي، فكانا من أفضل أعماله ونقطة تحول في ألحانه، ونجح في المنافسة بهما على قمة التلحين والغناء، وهما عملان من روائع الغناء العربي الكلاسيكي.

تبنى الثنائي أحمد رامي ومحمد القصبجي هذا الشكل الجديد من الغناء في تقديم العديد من المونولوحات لعدة سنوات.

عام 1931 لحن زكريا أحمد أول مونولوج لتغنيه كلثوم.

عام 1938 لحن رياض السنباطي "النوم يداعب جفوني" آخر مونولوج لأم كلثوم.

بظهور الأجيال اللاحقة من الملحنين الذين فضلوا تلحين الأغنية الحديثة توارى هذا الفن في هدوء، وبينما استمر تقديم القوالب الأخرى كالقصيدة والأغنية والموال، لم يصمد قالب المونولوج كثيرا ربما لصعوبة تلحينه، لذا قل تقديمه شيئا فشيئا إذ لم يقدم معظمه إلا رواد الملحنين.

• أشهر المونولوجات الغنائية

والله تستاهل يا قلبى – لحن وغناء سيد درويش 1920- كلمات أمين صدقي.

إن كنت اســـامح – لحن محمد القصبجى - كلمات أحمد رامي – غناء أم كلثـوم 1928.

في الليل لما خلى- لحن وغناء عبد الوهاب 1928 - كلمات أحمد شوقى.

أهـون عليك – لحن وغناء عبدالوهاب 1928 - كلمات يونس القاضي.

النوم يداعب جفوني – لحن رياض السنباطي - كلمات أحمد رامي – غناء أم كلثـوم 1938.

• المونولوج الفكاهي

في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، وبعد انحسار موجة المونولوج الغنائي، ظهر نوع من الغناء الساخر اتسمت ألحانه بالسرعة والخفة سمى اصطلاحا بالمونولوج الفكاهي، لكن هذه التسمية التي اقترنت بنجوم المسرح والسينما من الممثلين غير المطربين، مثل اسماعيل يس ومحمود شكوكو اختزلت مع الوقت إلى كلمة مونولوج فقط دون وصفها، وظلت تستعمل كاصطلاح فني وشعبي للإشارة إلى الغناء الفكاهي، بينما توارت أشكال الغناء الأقدم بما فيها المونولوج الغنائي والطقطوقة لتحل محلها الأغنية بشكلها الحديث.

والمونولوج الفكاهي لا ينتمى نظما إلى المونولوج الشعري حيث إنه يضم مذهبا وعدة مقاطع يعاد المذهب فيما بينها وبذلك فهو أقرب للطقطوقة من ناحية النظم والبناء اللحني لكن أغراضه لم تخرج عن النقد الاجتماعي الساخر، وقدمه أيضا ثريا حلمي وسعاد مكاوي ومنير مراد في الخمسينيات.

شاع المونولوج الفكاهي وأصبح فقرة أساسية تقدم في الحفلات العامة والخاصة، وفي أفلام السينما وعلى المسرح بفضل مجموعة من النجوم تخصصت في هذا النوع من الغناء، وفي الستينيات ظهرت مجموعة جديدة مثل أحمد غانم وسيد الملاح تقدم نفس النوع.

واكتسب هذا اللون من الغناء جمهورا عريضا ينتظر فقرته في الحفلات بشوق كبير لما تمتع به من خفة الكلمة واللحن وجماهيرية موضوعاته، وأصبح كالكاريكاتير في وسط القوالب الغنائية التقليدية التي تمسكت بالرومانسية العاطفية، وجذب مجموعة من الملحنين لتلحينه بما فيهم محمد عبدالوهاب.

ورغم عدم تمتع من قدموه بالصوت الحسن فقد نجحوا في تحقيق القبول الجماهيري بأداء ألحان مطربة لما تميزوا به من حس موسيقي عال لا يتوفر إلا لأصحاب الآذان الموسيقية الحساسة ولتمكنهم من أداء الألحان والجمل المقامية بدقة عالية.

غير أن الأعمال الجديدة انتابها ضعف في الكلمات والألحان التي فضل مقدموها وضعها بأنفسهم، وتخلل أداء المونولوج الكثير من الوقفات لإلقاء النكات على المسرح مما أضعف من قيمته كشكل غنائي، وبدا المونولوج الفكاهي بالانحسار مع تقاعد نجومه الكبار ثم آل إلى الانقراض تدريجيا.