قيادة الجيش الجزائري تفرض بالترهيب سياسة الأمر الواقع

الجزائر تنفتح على أزمة برأسين: اقتصادية وسياسية عميقة، مع إصرار قائد الجيش والسلطة المؤقتة على القفز على المطالب الشعبية واللجوء للاقتراض الخارجي للمرة الأولى والسماح للأجانب بالتملك.



قائد الجيش الجزائري: إما أن تكونوا مع الجزائر أو مع أعدائها


قايد صالح يدافع عن حكومة البدوي المرفوضة شعبيا


السلطة المؤقتة تدفع بالعملية السياسية بعيدا عن مطالب الحراك الشعبي


استمرار تدخل الجيش في العملية السياسية ترسيخا لأقدام النظام السابق في الحكم

الجزائر - استبق قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح أي تعثر محتمل للعملية السياسية التي يجري الدفع بها سريعا بالقفز على أحد أهم مطلب للحراك الشعبي وهو رحيل رموز النظام، بدفاع شرس عن حكومة نورالدين البدوي، مهددا ضمنا المعارضة بشقيها السياسي والشعبي بالقول "إما أن تكون مع الجزائر بكل وضوح وإما مع أعدائها".

وتأتي تصريحات قائد الجيش الجزائري بعد يوم من إعلانه في زيارة ميدانية للمنطقة العسكرية الخامسة (شمال شرق) أن الانتخابات الرئاسية ستجري في موعدها قبل نهاية العام، مهاجما من وصفهم بـ"العصابة" في إشارة إلى رموز من النظام السابق.

وتناقض كلمة قايد صالح ما سبق أن أكده بأن الجيش سيبتعد عن السياسية، لتؤكد تصريحاته المتوترة خلال هذه الفترة أن المؤسسة العسكرية مصرّة على الإلقاء بثقلها في دعم السلطة المؤقتة برئيسها عبدالقادر بن صالح ورئيس حكومتها نورالدين البدوي.

وتشير تهديداته الضمنية للمعارضين للعملية السياسية بنسختها الحالية أي استمرار حكومة البدوي والدفع لانتخابات رئاسية قبل نهاية العام، إلى محاولة فرض سياسة الأمر الواقع بمنطق تطبيق الحلّ الدستوري للأزمة.

نذر معركة لي أذرع بين السلطة والحراك الشعبي في الجزائر
نذر معركة لي أذرع بين السلطة والحراك الشعبي في الجزائر

وبمنطق الأمر الواقع يدفع قائد الجيش الجزائري الذي قفز من سفينة الولاء للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، إلى ترسيخ أقدام النظام السابق الذي هو جزء منه مع تعديلات تجميلية تستهدف أساسا امتصاص الغضب الشعبي الذي لايزال متقدا رغم مرور أشهر على استقالة بوتفليقة في أبريل/نيسان الماضي.

ويرفض الحراك الشعبي وأيضا المعارضة الجزائرية أي تمثيل لرموز النظام السابق في المرحلة الانتقالية، بما في ذلك الرئيس بن صالح ورئيس الأركان قايد صالح ورئيس الحكومة البدوي.

لكن لم تظهر أي مؤشرات حتى الآن على استعداد السلطة الحاكمة حاليا والمكلفة بادرة شؤون البلاد إلى حين إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، للتنازل عن الحكم.

وعلى ضوء تصريحات قايد صالح فإن المشهد العام في الجزائر مرشح للانفتاح على معركة ليّ أذرع بين السلطة والحراك الشعبي، ما يطيل أمد الأزمة السياسية فيما تواجه الجزائر صعوبات اقتصادية اضطرتها لأول مرة منذ سنوات للتفكير في الاستدانة الخارجية وهو خيار لطالما رفضته المعارضة حتى في عهد الحكومات المتعاقبة تحت إدارة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

ودافع رئيس أركان الجيش الجزائري والذي يشغل أيضا منصب نائب وزير الدفاع منذ كان بوتفليقة في الحكم، عن حكومة نورالدين البدوي وقال إنها تولت مهامها في ظروف غير عادية واستطاعت أن تحقق انجازات ميدانية.

وتابع "لا مكان لأعداء نوفمبر (تشرين الثاني) في الجزائر ولا لمسك العصا من الوسط"، مضيفا "في الظروف الراهنة إما أن تكون مع الجزائر بكل وضوح وإما مع أعدائها"، وهي إشارة واضحة لمن يطالبون برحيل رموز النظام.

أزمة برأسين

ومن المتوقع أن تتعثر العلمية السياسية في ظل إصرار قيادة الجيش والسلطة المؤقتة على فرض سياسة الأمر الواقع والدفع بأهم مطالب الحراك الشعبي بعيدا عن المعادلة التي يرغب فيها المحتجون والقائمة أساسا وفق الأهداف المعلنة على استبعاد رموز النظام السابق من الحكم ومحاسبة الفاسدين.

ومع إعلان الحكومة المرفوضة شعبيا عن فتح المجال للاستدانة من الخارج لسد العجز في موازنة 2020 للمرة الأولى منذ سنوات، تنفتح الأزمة السياسية على المزيد من التعقيد، حيث ترفض المعارضة أي توجه من هذا النوع بوصفه ارتهانا خارجيا لسيادة الجزائر.

وسبق أن طرحت مسألة الاستدانة الخارجية في السنوات التي أعقبت انهيار أسعار النفط في يونيو/حزيران 2014، لتمويل المشاريع الكبرى التي جرى تعليقها، لكن أحزاب المعارضة تصدت حينها لهذا التوجه ومن المتوقع أن تواجه حكومة نورالدين البدوي انتقادات في هذا الشأن ورفضا سياسيا وشعبيا.  

جاء في بيان للحكومة في ختام اجتماعها يوم الأربعاء خصص لدراسة النسخة الأولية لمشروع الموازنة السنوية لعام 2020، أنه يمكن "اللجوء بطريقة انتقائية، إلى التمويل الخارجي لدى المؤسسات المالية العالمية للتنمية لتمويل المشاريع الاقتصادية الهيكلية و ذات المردودية بمبالغ وآجال تتوافق مع مردودية هذه المشاريع وقدرتها على التسديد".

وتعد هذه المرة الأولى التي تقرر فيها السلطات اللجوء إلى الإستدانة من الخارج علما أنها قررت دفعا مسبقا لمديونيتها الخارجية منتصف العقد الماضي، بعد أن وصلت 32 مليار دولار عام 2000.

وبلغت قيمة الدين الجزائري الخارجي 3.85 مليارات دولار نهاية 2018، حسب وزارة المالية.

و الاستثناء الوحيد كان في 2016، بلجوء الجزائر إلى الاستدانة من البنك الإفريقي للتنمية، عبر قرض بمليار دولار خصص لتمويل برامج للطاقة.

الجزائر تعيش أزمة اقتصادية منذ انهيار أسعار النفط قبل خمس سنوات
الجزائر تعيش أزمة اقتصادية منذ انهيار أسعار النفط قبل خمس سنوات

وتعيش الجزائر أزمة اقتصادية منذ 5 سنوات جراء تراجع أسعار النفط في السوق الدولية، وتهاوت معها احتياطات البلاد من النقد الأجنبي من 194 مليار دولار عام 2014، إلى 79 مليار دولا نهاية ديسمبر/كانون الأول 2018.

وفي يونيو/حزيران الماضي، أعلنت الحكومة وقف التمويل غير التقليدي (طبع العملة المحلية) الذي أقرته خريف 2017 لتمويل الاقتصاد وتغطية العجز وسداد الدين الداخلي، وتفادي اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.

وتم طبع 6 آلاف و556 مليار دينار (56 مليار دولار) منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2017، ضخ منها 3 آلاف و114 مليار دينار (27 مليار دولار) في الاقتصاد الجزائري والبقية (25 مليار دولار) طبعت ولم يتم استعمالها بعد، وفق وزارة المالية.

كما تقرر وفق المصدر ذاته، استحداث ضريبة على الثروة المحلية ابتداء من عام 2020، بعد أن فشلت الحكومة في سنها قبل سنوات بسبب معارضة شديدة من رجال أعمال مقربين من نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وقررت الحكومة أيضا "تدعيم فرض ضرائب ورسوم على الثروة والممتلكات بناء على مؤشرات الثراء العقارية وغير العقارية، من أجل ضمان التقسيم الأمثل للأعباء الضريبية بين كل المواطنين".

وفي مؤشر على حدة الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت أيضا بفعل تراكمات الاحتجاجات الشعبية، قالت الحكومة الجزائرية في بيان نشرته وسائل الإعلام الرسمية في وقت متأخر الأربعاء إن الجزائر تنظر في السماح للأجانب بتملك حصص أغلبية في قطاعات غير إستراتيجية بالاقتصاد، دون أن تقدم تفاصيل واضحة.

وتمنع الجزائر المستثمرين الأجانب من تملك حصص تزيد على 49 بالمئة وتظل قطاعات كبيرة من الاقتصاد خاضعة لسيطرة الدولة.