"قيامة اليتامى" جهد أدبيّ سوري صرف

"قيامة اليتامى" لأحمد خميس نص متين من حيث المفردة، قوي جداً في أطروحاته وفيما يريد أن يصل إليه.


نص عزف من خلاله الكاتب على مقامات الحرب والحنين والحب 


الرواية تتناول مآسيَ جمعية من زوايا مختلفة

تتناول هذه الرواية مآسيَ جمعية من زوايا مختلفة هذه المرة، وذلك بسبب نزعة كثير من السوريين وأقصد الأدباء والشعراء والكُتّاب منهم لكتابة ورسم حكايات أهلهم، وربما حكاياتهم الخاصة في نتاجاتهم الأدبية المختلفة ورغم ذلك جاء هذا النص مختلفاً يغرد بمفرده وسط سربه. 
لفت نظري وقوف الكاتب على تفاصيل فريدة وهنا لا أتحدث عن البراعة في تصوير الإطار الزماني والمكاني الذي يحيط بجسم النص، وإنما أقصد تشريح بنية الشخصية (التشريح النفسي والاجتماعي والأيديولوجي)، التفاصيل المعقدة في حوارات يعرب مع نفسه وكأن الكاتب خلق شخصتين كل منهما في داخل الأخرى، وهذا بكل بساطة يفسر حالة المعركة الفردية التي نعيشها على صعيدنا كأفراد. 
فرحلة اللجوء التي تحدث عنها (خميس) والتي لم تظهر كحدث يسير بمجرىً ما بقدر ما لاحظنا تبعاتها على يعرب ذلك الشخص الذي كان عبارة عن ذاكرة مليئة بالركام والحطام والموتى. 
وما أن اخترقت النص شخصية أخرى، وأعني شخصية ستحمل على عاتقها زمام مجرىً طويل لاحقاً حسبتُ بأن (خميس) خرج عن نصه الأول مع الحفاظ على ذاكرة الشخصية الأولى فتحولت بوصلة الأحداث إلى فلسطين، وهنا راح بشارة وهو العازف الفلسطيني يغرس جذوره عميقاً في جدار الرواية، وذلك بتسليط الضوء على قضية مهمة جداً وهي قضية الوجود والخوض في غمار قضايا مفصلية في الإرث الأخلاقي والديني العربي، فتحدث عن المسيّر والمخير ونظرية الخلق بأسلوب سردي شيق ورهيب.  

novel
مقامات الحرب والحنين والحب

تتوالى الشخصيات في النص الروائي وكأن كل منها يحاول الثبات والاستمرار أكثر خشية على أنفسهم من الرصاص الكثيف الذي كان يمطر به الكاتب شخصياته منتقماً تارة ورؤوفاً بهم تارة أخرى.
شعرتُ للحظة بأن هذه الشخصيات ستزورني ليلاً إذ آوي إلى فراشي، أحسستُ بها حقيقية. أناس مثلنا وليسوا مجرد حبر على ورق تتلاعب بهم مخيلة روائي بارع. 
لعب أحمد خميس دور (الكوتش) أو المدير الفني لعناصر روايته فكان وكأنه يقول لهم بأن البقاء فيما أكتب للأقوى لذا سارعوا لإفراغ ما في جعبتكم. 
كان السرد بديعاً بعيداً عن الحكائية وبنفس الوقت لم يجنح إلى الرمزية المكثفة بل معتدلاً يحيطه مكان ويجري بزمان فيمنح قارئه واقعية مطلقة. 
كل ما تشعر به بأنك أمام متباريين يجيدان اللعب، أمام خصمين يمتلك كل منهما مقومات الحديث الناجح. 
وأما عن الربط فكان منطقياً في النهاية بعد أن تمتلك تصورك التام عن الأحداث وصيرورتها من البداية حتى الصراع فالنهاية، لكنه لم يكن كذلك في أواسطه بل كان مثيراً بخلاف توقعاتك عما سيحدث وإلامَ ستفضي إليه الأمور .
"قيامة اليتامى" نص متين من حيث المفردة، قوي جداً في أطروحاته وفيما يريد أن يصل إليه (الجريمة وغسل الأدمغة، الحب، الشهامة، والقتل والدعارة) وتفاصيل أخرى برع الكاتب في صوغها نصاً عزف من خلاله على مقامات الحرب والحنين والحب.