قيام مملكة الأنباط وانهيارها

كتب ـ أحمد فضل شبلول
انهيار سريع

تلك مملكة سادت ثم بادت، إنها مملكة الأنباط التي كانت تقع شمال الجزيرة العربية على طريق البخور التجاري الذي يمتد من المحيط الهندي إلى موانئ فلسطين وسوريا، وحدودها حدود المملكة الأردنية الهاشمية الآن.
ومملكة الأنباط التي انتعشت قبل الميلاد بقرون وحتى نهاية القرن الأول وتحديدا سنة 106، تتكون من أراض صخرية حجرية في أغلب مناطقها، ففيها الجبال والشعاب وبعض المناطق أو الواحات الخصبة التي تتوافر فيها المياه مما سهل استقرار الناس فيها ومزاولة مهنة الزراعة.
عن هذه المملكة وأحوالها الاجتماعية والاقتصادية جاء كتاب خالد الحموري "مملكة الأنباط" الصادر عن مشروع بيت الأنباط للتأليف والنشر بالأردن، ووقع في 160 صفحة مشتملا على بعض صور المملكة (أبيض وأسود).
وتعد البتراء المقاطعة الرئيسية أو العاصمة التي يشير اسمها إلى كل جبل مقدس يصعب صعوده، ومعناها في العربية صخر أو حجر، ويطلق عليها العرب اسم الرقيم، وهي تقع اليوم في وادي موسى.
أما بقية المدن أو المقاطعات في مملكة الأنباط فهي: الحجر أو "مدائن صالح"، وأم الجِمال المبنية من الحجر الأسود الناري، والنقب.
ويشار إلى أن النبط اسم لقوم، وليس اسما لمنطقة، واختلف المؤرخون في أصلهم فذهب القديس جيروم إلى أنهم من نسل "نبايوط" الابن الأكبر للنبي إسماعيل، وهناك من يرى أنهم من العراق جاء بهم نبوخذ نصر في القرن السادس قبل الميلاد عند تحريره لفلسطين ونزلوا البتراء واستقروا بها. ورأي آخر يذكر أنهم من وسط شبه الجزيرة العربية، ورأي يؤكد أنهم من اليمن.
ويميل الحموري إلى أن الأنباط هاجروا من اليمن طلبا للرزق والزراعة ورعاية الماشية، ويؤكد هذا الأمر انتهاج الأنباط طرق الري والزراعة والنحت على غرار العديد من المنشآت المائية الموجودة في اليمن، لذا فإنهم عرب وليسوا آراميين، وإن استعملوا الآرامية في كتاباتهم.
وعن الأحوال الاجتماعية للأنباط فهم ينقسمون إلى طبقات: الاستقراطية العربية، والمواطنون الأحرار، وفئة العبيد، وفئة الأجانب.
وتعرض البحث إلى وضع العائلة النبطية من حيث الزواج: الزواج بالأباعد، والزواج الداخلي، والطلاق، والإرث، وتعيين الورثة، ثم الأعياد والاحتفالات الدينية ومنها الحج إلى الإله ذوالشرى. ويذكر البحث أن هذا الاحتفال كان يقام في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني (يناير) في هيكل البتراء (ص 37) بينما يشار في بقية الكتاب إلى أن احتفال ذوالشرى يتم في الخامس والعشرين من شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل عام.
ويتعرض البحث بعد ذلك إلى الاحتفالات الرسمية والشعبية، وتدل المنحوتات الأثرية على وجود الآلات الموسيقية مما يدل على أن هناك فرقا موسيقية تقدم المعزوفات الخاصة التي ترافقها الفرقة الراقصة.
فضلا عن الأعياد الشعبية التي كانت سائدة عند الأنباط ومنها عيد دوري يقام كل أربع سنوات في منطقة شبه جزيرة سيناء، ويسهم فيه جميع سكان شبه الجزيرة والقبائل المجاورة، وتدل النصوص على أن الأنباط كانوا يقيمون عيدا آخر على شرف أغسطس (أوكتافيوس أغسطس) تخليدا لذكرى معركة أكتيوم 31 ق. م، (التي انتصر فيها على أنطونيو وكليوباترا) ما يدل على العلاقات التي كانت قائمة بين الأنباط ودولة الرومان.
ويتعرض البحث إلى الاحتفالات الخاصة بالزواج، والختان، وتشير النصوص إلى أنه عند فتح الرومان بلاد الأنباط قاموا بإلغاء جميع القوانين المحلية التي كانت سائدة في الدولة ومنها الختان.
وعن الديانة في مملكة الأنباط، يعتبر الآله ذوالشرى على رأس مجموعة الآلهة، فهو الرب الأكبر الذي اتسم بطبيعة كوكبية متمثلة بالشمس، واشتهرت عبادة الإله ذوالشرى ولا سيما في مدينة البتراء، ومنها انتشرت عبادته إلى سائر الأنحاء. وفي (ص 47) يذكر البحث أن الحج إلى معبد الإله ذوالشرى خصص له يوم (25 كانون الأول) وليس الثاني كما جاء في (ص 37) لذا نعتقد أن هذا الخطا خطأ مطبعي يجب تصحيحه في طبعة قادمة.
وبالإضافة إلى الإله ذوالشرى كانت هناك آلهة أخرى مثل: اللات، وهبل، وشيع القوم، والكتبا (وهو إله الكتابة لديهم)، ومناة، والعزى، وقوس، وقيس، ومناف، وهـ إله، وسعد، وسعيد، ورضا، وإيزيس، وأعرا، وبُصرى، والجي، وداد أو حدد، وتره أو تهره، وأتارجاتيس.
ولكل إله من هذه الآلهة، التي انتشرت في مملكة الأنباط نتيجة العلاقات التجارية والسياسية مع البلاد المجاورة، معبده الخاص به، وسيلاحظ أن لفن الزخرفة في تلك المعابد وفي البتراء خاصة، تأثيرا من معابد الإسكندرية والمراكز الهلنستية في أنطاكيا وسوريا.
ومن هذه المعابد: معبد خربة الذريح، ومعبد خربة التنور، ومعبد قصر البنت أو "قصر بنت فرعون"، ومعبد اللات في وادي رم، والخزنة المنحوتة في صميم الصخر في البتراء، ما دفع الناس حديثا إلى الاعتقاد أنها تحتوي في داخلها على الذهب، ومن هنا جاءت التسمية.
أما عن الطقوس الدينية في مملكة الأنباط، فتشتمل على: الحج، والصلاة، والتراتيل والتمائم، والطهارة والاغتسال، وتقديم القرابين، وحرق البخور. ولاحظ الجغرافي سترابو أن الأنباط في كل يوم يقومون بحرق البخور في معابدهم.
ويشير البحث إلى أن الأنباط عاشوا في بداية حياتهم حياة بدوية قائمة في أساسها على الرعي، وكان من أمهات قوانينهم تحريم العمل والاشتغال في الزراعة "وكانوا يعيشون حياة بدوية في حمى صخرة منيعة، ومن قوانينهم تحريم بناء البيوت واستعمال الخمور والاشتغال بالزراعة".
لكنهم تفاعلوا بعد ذلك مع الحضارة وتأثروا بالدول والممالك المجاورة، وبدأوا يعملون بالزراعة، وتحددت ملكية الأراضي ما بين أراض يملكها الأمراء وشيوخ القبائل، وأراض يملكها المعبد. وبدأوا يستخدمون الأنظمة الزراعية، ويتبعون هندسة الري، ويقيمون الآبار والصهاريج والقنوات التي أظهرت حرص الأنباط على عدم إهدار أية قطرة ماء بل استغلال المياه استغلالا جيدا سواء في الشرب أو في مجال الري والزراعة. كما أقاموا السدود ومنها: سد كلخة، وسد أم درج، والبرك وخزانات المياه.
ونتيجة العمل بالزراعة ظهرت الوظائف الزراعية أو الفلاحية، واشتهرت مملكة الأنباط بشجرة البلسم التي يبلغ ارتفاعها ما بين 5 ـ 6 أمتار، وهي على شكل فروع حمراء ثلاثية الأوراق، وعدت من عجائب الدنيا في القرن الثاني للميلاد، وبلغت شهرتها الحد الذي اهتم بها الطبيب جالينوس واستعمل أوراقها عقارا مهما في القضاء على بعض الأمراض، كما قام انطونيوس بتقدم "البلسم" هدية إلى حبيبته كليوباترا. كما تجلت أهمية هذه الشجرة النبطية بأن اتخذها جستنيان رمزا لانتصاره حيث حملها إلى روما بعد غزوه لفلسطين وانتصاره على أهلها.
وإلى جانب الزراعة عرف الأنباط المعادن والتعدين، والإنتاج الصناعي وجمعوا القار (الزفت) من البحر الميت، وكان المصريون يستوردون هذه المادة من مملكة الأنباط لاستخدامها في تحنيط الموتى. كما استخرجوا الملح وصنعو الفخار، وقاموا بسك العملة، وصنعوا الملابس من الكتان والجلود، كما عملوا في صناعة الحلي، والصناعات الخشبية والتماثيل.
ولم تكن مملكة الأنباط معزولة عن العالم، فبحكم موقعها على طرق التجارة الدولية في ذلك الوقت، كانت على اتصال بالعالم الخارجي عن طريق الطرق البرية مثل طريق البخور ومنه يتفرع الطريق بين اليمن والخليج العربي والعراق، وطريق جرها ـ البتراء، فضلا عن طرق أخرى متعددة تقع عليها المراكز التجارية: البتراء، صبرا، العلا "ديدان"، الحجر "مدائن صالح"، تيماء، دومة الجندل "الجوف"، أم الجِمال، وبُصرى.
وبالإضافة إلى الطرق البرية، كانت هناك الطرق البحرية حيث كان هناك اهتمام بالتجارة البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، ما أدى إلى التصادم مع المصالح التجارية البحرية المصرية انتهت بخسائر فادحة للأنباط الذين كانوا يحصلون على أرباح باهظة من تجارة القوافل التي كانت تمر ببلادهم، ما جعل الأنباط يقومون بغارات على التجارة البحرية المصرية، أدت إلى تدهور العلاقات العامة بينهم وبين البطالمة.
ومن أهم الموانئ التي كانت تحت نفوذ الأنباط: ميناء غزة على البحر المتوسط، وميناء لويكة كومة على البحر الأحمر، وميناء ايلة على خليج العقبة، وكان التجار الأنباط يصلون بقواربهم الصغيرة إلى خليج هيروبولس (السويس).
ومن أهم السلع التي كان الأنباط يحرصون على جلبها من أسواق الشام والعراق ومصر وجنوب الجزيرة العربية وأفريقيا وشرق آسيا: اللبان (الذي يستخدم في العبادة، فكان يحرق على كل مذبح في العالم الهلنستي كما هو الحال في العالم المسيحي، وأدى هذا إلى ارتفاع أسعاره) والبخور والمر والكافور والطيب والقرفة والقرنفل واللؤلؤ، وكانوا يصدرون: القار والفخار والملح والمعادن والزيوت والنبيذ وشجرة البلسم.
ويتضح من ذلك أن مملكة الأنباط عاشت ربيعها على التجارة، وارتبط استمراريتها وتطورها بالتجارة، ولكن عندما قام الإمبراطور تراجان سنة 106 بمهاجمتها، وتحويل خط سير الطريق التجاري المار من العاصمة البتراء، إلى مدينة بُصرى، بدأ الانهيار السريع لمملكة الأنباط، ما يؤشر على أن اقتصاد الأنباط كان يعتمد بشكل مباشر على التجارة، ولم تستطع الزراعة ولا الصناعة، على الرغم من تطورهما في المملكة، إنقاذ الاقتصاد النبطي من الانهيار، فكانت نهاية دولة الأنباط التي سادت قرونا عدة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية