قيس سعيد يواجه النهضة بمبادرات تشريعية

الرئيس التونسي يقول إن الوضع السياسي الحالي المرتبط بإدارة الحكم لا يمكن أن يستمر، فيما تطالب أحزاب سياسية ومنظمات وطنية بنظام رئاسي.


النهضة أكبر متضرر من تغيير نظام الحكم


الاتحاد العام التونسي للشغل يدعم مطالب التغيير


الاتحاد العام التونسي للشغل يدعم مطالب التغيير

تونس - أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد اليوم الثلاثاء أنه يستعد لتقديم مبادرات تشريعية لتعديل الدستور التونسي من بينها تغيير نظام الحكم في البلاد، في مبادرة تدعمها عديد الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية وترفضها حركة النهضة الاسلامية.

وقال سعيّد في حواره مع قناة فرانس24 أن "الوضع السياسي الحالي في تونس، فيما يرتبط بإدارة الحكم، لا يمكن أن يستمر".

و نظام الحكم في تونس منذ عام 2014 نظام برلماني معدل، حيث تنبع الحكومة من البرلمان ومن الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية، فيما تعاقبت على حكم البلاد حكومات ائتلافية كثيرا ما خضعت لمنطق المحاصصة الحزبية.

وتحمل أحزاب سياسية تونسية نظام الحكم الحالي مسؤولية ارتباك عمل الحكومات المتعاقبة منذ 2014 كونه يكرس الافلات من المحاسبة الفردية و يؤسس لتحالفات حكومية هشة تضع الاستقرار الحكومي رهين أجنداتها وتصوراتها لممارسة الحكم.

وتطالب هذه الأحزاب بتعديل نظام الحكم إلى نظام رئاسي صرف أو شبه رئاسي تكون فيها السلطة في يد حزب واحد يمكن مساءلته وتحميله المسؤوليات بعد انقضاء المدة الرئاسية، ما يضمن مناخ سياسي مستقر وغير خاضع للتجاذبات الحزبية في تسيير شؤون البلاد.

وترفض حركة النهضة الاسلامية (الفائزة في الانتخابات التشريعية 2019) الخوض في مسألة تعديل النظام السياسي في البلاد لسببين اثنين، وفق مراقبين.

يتمثل السبب الأول في أن تغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي سيضع الحركة الاسلامية أمام تحمل مسؤوليات فشلها في ادارة شؤون البلاد وهو الذي دأبت على تفاديه من خلال القول بأنها مجرد شريك في الحكم وأن الأحزاب المكونة للائتلاف الحكومي معها تتقاسم هذه المسؤوليات.

ومنذ وصولها إلى الحكم عملت الحركة على استقطاب أحزاب تقدمية وعلمانية لمشاركتها في الحكم تحت يافطة التوافق الوطني وتوظيف كل الطاقات في خدمة المصلحة العامة، لكن ذلك حق أريد به باطل وفق منتقديها.

ويقول هؤلاء أن النهضة باستقطابها لهؤلاء الأطراف العلمانية والتقدمية تضرب عصفورين بحجر واحد : فهي تضمن أن يشاركوها الفشل كما تضمن أيضا تحالف برلماني معهم يوفر لها غطاء نيابي لتمرير أجنداتها.

أما السبب الثاني فيتمثل في ضمان بقائها في دائرة الحكم حتى في صورة خسارتها للانتخابات التشريعية أو أن تكون طرف معارض قوي داخل البرلمان وبالتالي معرقل للخطط الحكومية.

وتشير مؤسسات سبر الأراء التونسية إلى أن الخزان الانتخابي لحركة النهضة لا يتجاوز 13 بالمئة من الناخبين التونسيين وهي نسبة هامة إذا ما تمت مقارنتها بتشتت المشهد الحزبي في تونس الذي يضم أكثر من 200 حزب سياسي.

ومنذ 2011 لم يستأثر أي حزب سياسي بنسبة 50 في المئة من أصوات الناخبين وهو ما يلزم بالضرورة الحزب الفائز بالبحث عن تحالفات سياسية تضمن له الاستقرار الحكومي والأغلبية البرلمانية كذلك.

وخسرت النهضة في 2014 الانتخابات التشريعية لصالح حزب حركة نداء تونس الذي يقوده الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي وحلّت ثانيا، إلا أن اكراهات الاستقرار الحكومي و التضامن البرلماني فرضت على الرئيس الحالي اشراكها في الحكم.

والشهر الماضي، انضم الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر المنظمات النقابية) إلى الدعوات السياسية المطالبة بتغيير نظام الحكم، ما يمثل جرعة دعم اضافية باتجاه تحقيق هذا المطلب.

ويحظى اتحاد الشغل بقاعدة جماهرية عريضة تمثل وسيلة ضغط شعبية هامة لا يمكن تجاهلها، اضافة إلى دوره المحوري في تنقية المناخ الاجتماعي وبالتالي المساهمة بدرجة كبيرة في استقرار الحكومات.

وقال الأمين العام نور الدين الطبوبي في تصريحات لوسائل اعلام محلية إن "تونس تعيش حالياً على وقع أزمة سياسية"، داعيا إلى "تنظيم إستفتاء لتمكين الشعب التونسي من تقييم النظام السياسي القائم إن كان صالحا وناجعا أم لا".

وتابع الطبوبي " الشرعية هي السيادة للشعب ولابد أن يكون هناك استفتاء يرجع للشعب".

ولئن استطاعت الحركة الاسلامية ارباك مطالب الأحزاب السياسية بتغيير النظام السياسي في البلاد بحجة أن التحديات الاقتصادية أولى بالمناقشة في الوقت الراهن، فإن تبني أحد رؤوس السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) لمطالب التغيير يقلص هامش المناورة لدى الحركة ويدفع بها إلى الهامش.

وترجح أطراف سياسية وحزبية أن تحظى مبادرة الرئيس حال طرحها بتأييد أكبر أحزاب المعارضة في تونس وحتى الحاكمة منها، مقابل سعي حركة النهضة الى اجهاضها واسقاطها في البرلمان عبر تحالفات قد تكون مصلحية أو ظرفية مع عدد من القوى السياسية الممثلة في البرلمان.

وتطالب حركة النهضة (54نائب) منذ مدة بتوسيع الائتلاف الحكومي ليستوعب حزب قلب تونس (27 نائب)، وهو ما رفضه رئيس الحكومة الياس الفخفاخ الذي أعلن عقب تكليفه بأن حكومته ستتشكل على قاعدة الأحزاب المساندة للرئيس في الانتخابات، بينما خاض رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية ضدّ المرشح سعيّد.

ويؤكد محللون أن حركة النهضة تستعد عبر المطالبة بتشريك حزب قلب تونس في الائتلاف الحكومي للمعارك البرلمانية القادمةـ خاصة في ظل وجود خلافات مع حركة الشعب، شريك الحكم، والذي صوت مؤخرا مع لائحة لسحب الثقة من رئيس حركة النهضة والبرلمان راشد الغنوشي بسبب اصطفافه خلف الأجندة التركية القطرية في ليبيا.

ويستوجب المصادقة على مبادرة تشريعية في البرلمان التونسي 109 صوت أي أغلبية الثلثين من مجموع 217 مقعد.

وبالتحالف مع قلب تونس وإتلاف الكرامة الاسلامي (19 مقعد) و بعض المستقلين تكون النهضة قد ضمنت اسقاط أي مبادرة تشريعية لا تتوافق مع أجندتها.

وتشوب علاقة الرئيس التونسي بالغنوشي خلافات كبيرة طفت إلى السطح على إثر تصريحات للأخير بشأن تدابير مكافحة فيروس كورونا اعتبرها سعيّد تدخلا في صلاحيات السلطة التنفيذية، ما دفعه إلى الردّ على رئيس البرلمان عبر التذكير بصلاحيات كل مؤسسة.

ويحظى سعيّد الذي انتخبه قرابة 3 ملايين تونسي بشعبية كبيرة، تعمل النهضة على تقليصها من خلال التدخل في صلاحياته والايهام بأنه غير قادر على تنفيذ وعوده الانتخابية دون دعمها.

ومن أبرز وعود سعيّد الانتخابية تغيير النظام السياسي والانتخابي في البلاد إلى جانب تكريس الحكم المحلي ومقاومة الفقر والفساد المستشري.