كابوس الربيع الليبي

قرية الرجمة نجحت بطريقة مغايرة في فرض معادلة الاستقرار طامسة كل الخلافات المستوردة التي أرادت تفتيت الشعب الليبي.

الحقيقة المرة التي لا مفر من الاعتراف بها، حتى ولو كانت مريرة، هي أن ثورات الربيع العربي، في معظمها، وقعت في فخ الطريق المسدود، أو ربما فشلت في تحقيق أحلام الشعوب وأمانيه في الحرية والعيش الكريم.

مشهد الدماء الممتدة عبر خريطة الوطن العربي، من ليبيا إلى العراق، إلى سوريا إلى اليمن إلى لبنان، تصرخ فيه أصوات تؤكد أن النتائج المرة التي نواجهها لم تكن إلا ثمرة لخيبة الأمل، وانكسار الطموحات، في حين تظل الحقيقة المؤلمة قائمة وتفرض نفسها على كل من يراقب المشهد بعيون مفتوحة.

تحول زلزال الخديعة إلى خيبات لا تعد ولا تحصى، تحطمت فيه أحلام الليبيين بفعل عقليات دينية متطرفة أنتجت من خلاله صراعات داخلية مريرة، جرت فيه البلاد إلى مستنقع فوضى مستعرة، التهمت السياسة واغتالت الاقتصاد ومزقت النسيج الاجتماعي بلا رحمة، هذه الفوضى لم تأتِ بوجه واحد، بل أطلت برأسها تتستر تارة بعباءة الدين المزيفة، وتوقظ تارة أخرى وحوش القبلية والجهوية والعرقية، بينما تتزين في أحيان كثيرة بأقنعة براقة لشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، والهدف دائما كان الخراب المطلق.

 أما الحقيقة العارية التي لا غبار عليها، فهي أن الربيع الليبي انطلق كزلزال شعبي عفوي، اشتاق فيه الأبرياء إلى فجر الحرية ودولة الحق والعدالة والقانون، لكن في عتمة المؤامرة تحركت فيه خفافيش الظلام وأعداء الحرية، من أن لا يرى هذا الشعب النور أو يذوق طعم الرفاهية ليحيلوا وطنا بلا خجل أو حياء، إلى مجرد مزارع خاصة مستباحة لهم ولحاشيتهم الفاسدة ليظل الليبيون في نظرهم مجرد عبيد وخدم يقدمون فروض الطاعة والولاء الأعمى عبر التخويف والترهيب.

ثورة مضادة أم فلـول فاســدة

 حين تستباح الأوطان وتسفك دماء الشعوب بأيدي عصابات مارقة تتستر خلف قناع الثورة المضادة قابعة في الغرب الليبي ومندسة في مفاصل الدولة العميقة هناك بتحالف مع أخطر التيارات الدينية الإرهابية.

 إذن نحن أمام خدعة كبرى ولعبة قذرة تهدف إلى إعادة تدوير النفوذ البائد، إنها محاولة خبيثة لإحياء نغمات الحنين إلى عهد الانقلاب الغابر عام 1969، ذلك النظام الفاشل الذي أسس لشرعنة الجريمة وحماية المفسدين ونهب ثروات البلاد بلا حسيب أو رقيب. وفي ظل هذا الحراك المشبوه، دفنت حرية التعبير وصودرت الإرادة السياسية تحت وطأة ضجيج المعارك المفتعلة، ليصبح كل صوت حر يرفض هذا الواقع عرضة لسهام التخوين والعمالة من قاموس جاهز ومعلب لقمع طموح أن تصبح ليبيا دولة الخير والعطاء.

 نمـوذج الرجمـة المثالـي

على بعد خمسة وثلاثين كيلومترا فقط شرقي مدينة بنغازي، وحيث تلتقي الأرض ببدايات مرتفعات الجبل الأخضر الشامخة، تقع قرية الرجمة كمعقلٍ غيّر مجرى التاريخ الليبي الحديث. من هذا العمق الاستراتيجي، انطلقت شرارة عملية الكرامة المدوية، لتدك معاقل تنظيمي القاعدة وداعش، وتنفض غبار الإرهاب عن بنغازي ودرنة وكامل ربوع الشرق والجنوب. ولم يكن مركز القيادة العامة للقوات المسلحة هناك مجرد مقر عسكري، بل تحول إلى قلب نابض صاغ نموذجا تاريخيا في لمّ شتات الأمة، صاهرا الهويات الضيقة في بوتقة جيش وطني عظيم لا يعترف بالجهوية أو المناطقية، يفتح ذراعيه لكل ليبي عقيدته صون الحدود والدفاع عن السيادة ومواجهة الانحرافات السياسية والإثنية.

وفي الوقت الذي تجوب فيه الفوضى العارمة غرب البلاد تحت غطاء شرعية دولية واهية بالعاصمة طرابلس، نجحت الرجمة بطريقة مغايرة في فرض معادلة الاستقرار، طامسة كل الخلافات المستوردة التي أرادت تفتيت الشعب الليبي، لتخوض اليوم معركة شريفة أخرى عنوانها البناء، الإعمار، وحلحلة الأزمات الاقتصادية الخانقة ومحاربة الفساد المستشري.

الخلاصــة

في عمق العواصف التي تجتاح منطقتنا العربية، يولد مشهد مرعب يطمس الأحلام الجميلة لتصحو ليبيا على كوابيس حية تلاحقها في الليل والنهار. الخيارات تضيق، والقرارات تلوثت، والضجيج بات سيد الموقف، ولم يعد هناك متسع للمثالية الأفلاطونية في عالم مضطرب يعاني مصير مجهول، بل أصبحت النجاة تكمن في الخروج بواقعية من عنق الزجاجة.

ومن هنا، نالت رؤية الرجمة اهتماما بالغا من "القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية " كطوق نجاة وحيد ومناورة سياسية حاسمة لمواجهة التحديات المحلية بالغرب الليبي والإقليمية والدولية بحنكة سياسية لإنقاذ البلاد من السقوط في هاوية الجهل، والتطرف، ومخططات الإسلام السياسي الإخواني، والثورة المضادة المزيفة، وتحالفات حزب الفساد الأكبر في ليبيا الذي يهدد البلاد من الاختفاء من خريطته الجغرافية.