كثافة عمليات تزوير البيانات الشخصية تهدد الهوية الوطنية الليبية

الأرقام الوطنية المزوّرة يسّرت انتفاع الأجانب بحقوق متولدة عن المواطنة بما في ذلك حقوق قانونية وإدارية حصرية.
أسر كاملة أصبحت ليبية بتزوير البيانات الشخصية
عمليات التزوير تمس الحقوق السيادية المرتبطة بالجنسية والمواطنة

طرابلس – تواجه ليبيا واحدة من أخطر القضايا التي تتعلق بالهوية الوطنية حيث تحول تزوير بيانات الأحوال الشخصية إلى نمط متكرر يجري استغلاله من قبل مستويات متعددة من الموظفين العاملين في المؤسسات الحكومية، في عدة مدن ليبيا في الشرق والغرب والجنوب باختلاف الجهة المسيطرة.

 وبحسب التحقيقات التي أعلن عنها مكتب النائب العام في ليبيا، فقد بلغت عمليات التزوير ذروتها خلال عام 2025، واعتمدت على تحريف القيود العائلية، واستغلال بيانات متوفين أو منقطعي الأخبار، لإدراج أجانب ضمن أسر ليبية ومنحهم أرقاما وطنية كاملة، استخدمت لاحقا في الحصول على مرتبات وجوازات سفر ومنح اجتماعية وحقوق مواطنة.

وفي آخر عملية، أمرت النيابة العامة بحبس موظف مكتب السجل المدني أولاد علي احتياطياً على ذمة التحقيق، على خلفية وقائع تزوير بيانات الأحوال المدنية، في إطار ملاحقة قانونية استهدفت حماية منظومة السجل المدني ومنع العبث ببياناتها الرسمية.

ونظرت لجنة تحقيق وقائع تزوير بيانات الأحوال المدنية بدائرة نيابة ترهونة الابتدائية دلائل تتعلق بتزوير قيود عائلية، وأسفرت الإجراءات عن ثبوت حصول أحد عشر أجنبياً على أرقام وطنية بصورة مخالفة للقانون، بما يشكل إخلالاً مباشرًا بضوابط القيد والتسجيل المعتمدة.
وأثارت القضية ضجة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي واستياء بين الليبيين.

وأظهرت التحقيقات أن الأرقام الوطنية المزوّرة يسّرت انتفاع الأجانب بحقوق متولدة عن المواطنة، بما في ذلك حقوق قانونية وإدارية حصرية، وقررت سلطة التحقيق حبس المسؤول عن فعل التزوير احتياطياً، ضمانًا لسير التحقيقات ومنع التأثير على مجرياتها.

ووجّهت النيابة بوقف العمل بالأرقام الوطنية محل التحقيق، وتقويم جميع المستخرجات الإدارية التي استندت إلى الأوراق المزورة، بما يشمل مراجعة الإجراءات والقرارات التي بنيت عليها تلك البيانات غير الصحيحة.

وأكدت التحقيقات أن الإجراءات المتخذة تستهدف حماية منظومة السجل المدني، وضمان سلامة البيانات الرسمية، ومنع استغلالها بغير وجه حق، لما لذلك من أثر مباشر على الأمن القانوني والإداري للدولة.

وتباشر النيابة العامة تحقيقات موسعة في قضايا تزوير بيانات الأحوال المدنية، نظرًا لما تشكله من تهديد مباشر للمنظومة القانونية والإدارية، ولما يترتب عليها من آثار تمس الحقوق السيادية المرتبطة بالجنسية والمواطنة.

واعتبرت لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب هذه ‏الوقائع مساسا مباشرا بالأمن القومي والهوية الليبية، ‏مطالبة بأشد العقوبات.‎وفي المقابل، أطلقت السلطات في طرابلس مشروعات ‏لإصلاح المنظومة، تشمل مطابقة السجل الورقي ‏بالرقمي، وإصدار الهوية والجواز الإلكترونيين، وإنشاء ‏منظومات لحماية البيانات، تحت إشراف قضائي مباشر.‎

ففي 13 مايو/أيار 2023، أعلن النائب العام الصديق ‏الصور عن تشكيل لجان برئاسة 160 عضو نيابة على ‏مستوى ليبيا لفحص منظومة السجل المدني بمصلحة ‏الأحوال المدنية، تضم في عضويتها ضباط من مصلحة ‏الأحوال المدنية وجهاز البحث الجنائي لفحص منظومة ‏السجل المدني ومطابقتها بالأوراق الرسمية.‎

وفي17 مايو/أيار 2023 أعلن وزير الداخلية المكلف عماد ‏الطرابلسي، أن الوزارة ستبدأ في مشروع مطابقة منظومة ‏الأرقام الوطنية بالسجل الورقي، حيث أوضح خلال ‏اجتماع مجلس الوزراء، أن المشروع يهدف لكشف ‏التزوير في الأرقام الوطنية والجنسيات، وذلك بالتعاون مع ‏مكتب النائب العام.

وأشار الطرابلسي إلى اعتماد عدة مشروعات، أهمها ‏تنفيذ منظومة إصدار بطاقة الهوية الإلكترونية، وجواز ‏السفر الإلكتروني، مضيفا أنهم سيصممون 25 ألف ‏جواز سفر إلكتروني يوميا، لافتا إلى أنه سيجري إنشاء ‏مركزين للسجل الوطني، أحدهما في طرابلس والآخر في ‏مكان سري يلجأ إليه في حالات التزوير، بحسب قوله.‎

وفي 18 ديسمبر/كانون الأول الجاري 2025، أعلن مكتب النائب العام ‏عن مراجعة شاملة لبيانات الأحوال المدنية، وبحث ‏مقترحات نظام إلكتروني محكم لحماية البيانات، مثمنا ‏جهود مصلحة الأحوال المدنية في تصحيح المعلومات ‏المزورة، بالتوازي مع استمرار التحقيقات وملاحقة جميع ‏المتورطين دون استثناء.‎

وطالت وقائع التزوير عددا كبيراً من مكاتب السجل المدني شمل مدنا من بينها طرابلس ومصراتة وبنغازي وسرت وسبها والمرج وطبرق وتاجوراء وصرمان والجفارة.

وفي مصراتة، توصلت لجان التحقيق إلى كشف تزوير قيود عائلية مكنت 326 شخصا من الحصول على أرقام وطنية غير مشروعة، ما دفع سلطات التحقيق إلى إيقاف هذه الأرقام واتخاذ إجراءات بحق مسؤولين في السجل المدني.

وفي سبها، أثبتت التحقيقات تورط موظفين في تزوير مئات الوثائق الرسمية، شملت شهادات ميلاد وإقامة ووضع عائلي، مقابل مبالغ مالية، مع ضبط وسجن متورطين.

أما في سرت، أسفرت التحقيقات عن استخراج ما يقارب 600 رقم وطني لأشخاص أجانب عبر تزوير القيود العائلية، إلى جانب وقائع أخرى مكنت أكثر من 130 أجنبيا من التمتع الكامل بحقوق المواطنة.

وفي المرج والأصابعة وتاجوراء وصرمان، توالت القضايا التي كشفت تورط موظفين عموميين في إدراج أجانب ضمن السجلات الرسمية مقابل منافع مالية.

وفي بنغازي وطبرق، بلغت الوقائع مستويات أكثر تعقيدا، حيث جرى إنشاء "أسر كاملة" على الورق لأشخاص أجانب، استعملت بياناتهم لاحقا في التوظيف وصرف المرتبات واستخراج جوازات السفر، ما شكّل استنزافا واسعا للمال العام.

ووفق البيانات الرسمية، شملت التحقيقات فحص أكثر من 10 آلاف أسرة، وتدقيق ما يقارب 7 آلاف حالة انتماء للأصل الليبي، مع شطب مئات الأرقام الوطنية في مرحلة أولى.

كما جرى تحريك آلاف الدعاوى الجنائية، وحبس عشرات المتهمين، وسط تقديرات سابقة تشير إلى وجود عشرات الآلاف من الأرقام الوطنية غير الصحيحة، استُخدمت لصرف مئات الملايين من الدنانير دون وجه حق.

وتشير الوقائع التي كشفتها النيابة العامة إلى أن معالجة هذا الملف لا تزال في بدايتها، وأن نجاحها مرهون باستمرار التدقيق والملاحقة القضائية دون استثناء، وتعزيز الرقابة المؤسسية، وضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات، بما يحفظ سلامة السجل المدني ويحمي حقوق المواطنة ويصون أسس الدولة الليبية.