'كحلة الأهذاب' تحية مسرحية لسبعين عاما من الإبداع

عرض جديد لفرقة مدينة تونس للمسرح يستعيد دور المرأة المبدعة في الذاكرة الثقافية الوطنية بين المقاومة وبناء الدولة الحديثة.

تونس - في إطار الاحتفال بسبعين سنة من العطاء الفني، تستعدّ فرقة مدينة تونس للمسرح لتقديم عمل مسرحي جديد بعنوان "كحلة الأهذاب"، يُعرض على ركح المسرح البلدي بتونس العاصمة مساء الأحد، في موعد يتجاوز البعد الاحتفالي ليغوص في عمق الذاكرة الثقافية الوطنية.

ويأتي هذا العرض بوصفه قراءة فنية في مسار إحدى أعرق الفرق المسرحية في تونس والعالم العربي، ومحاولة لإعادة مساءلة مرحلة تاريخية مفصلية من تاريخ البلاد، تمتد من ثلاثينات القرن العشرين إلى أواخر الخمسينات. ويضع العمل في قلب اهتمامه دور المرأة المبدعة في صياغة ملامح الثقافة التونسية، سواء خلال سنوات مقاومة الاستعمار أو في بدايات تشكّل الدولة الوطنية الحديثة، مقدّماً سردية فنية تُنصف صانعات الوعي والجمال في تلك المرحلة.

"كحلة الأهذاب" هو إنتاج لفرقة مدينة تونس للمسرح، كتب نصه وأخرجه الطاهر عيسى بن العربي، ويقترح معالجة درامية تتقاطع فيها القضايا الإنسانية الكبرى مع التاريخ الوطني، من الحب والحلم إلى الحرب والتضحية وحب الوطن. ويعتمد العرض على بناء بصري وموسيقي يواكب هذه الثيمات، في توازن بين البعد الجمالي والبعد الرمزي.

ويشارك في هذا العمل عدد من الأسماء البارزة في الساحة المسرحية التونسية، تتقدمهم الفنانة كوثر الباردي، التي تتولى إلى جانب دورها التمثيلي إدارة الإنتاج، ويشاركها التمثيل كل من فرحات الجديد، خالد الزيدي، إكرام عزوز وسميرة مسيخ. كما يفسح العرض المجال لجيل شاب من الفنانين، من بينهم سحر مزيد، إلياس بولعراس، أشرف الجلاصي، دارين الهيشري، مريم العياري، فارس العوني وكمال الشريف، في لقاء فني يجمع الخبرة بالتجديد. ويضفي الموسيقي منير المهدي بعداً سمعياً خاصاً على العمل، إلى جانب تصور موسيقي أنجزه منذر الديماسي.

وعلى المستوى التقني والجمالي، يتكامل العرض من خلال سينوغرافيا سارة الطنوبي، وكوريغرافيا غادة بالقاسم، وتصميم الملابس لدلندة الطرخاني بمساعدة سامية التركي، إضافة إلى فريق متكامل في الماكياج، والتوضيب، والصوت، والإضاءة، وتقنيات البث، بما يضمن رؤية ركحية متماسكة.

ويحمل هذا العمل دلالة رمزية خاصة، إذ يتزامن مع سبعينية فرقة مدينة تونس للمسرح، التي تُعدّ أقدم فرقة مسرحية في البلاد وواحدة من أعرق الفرق عربياً. وقد تأسست رسمياً سنة 1955 بعد مسار طويل من الجهود التي قادها مثقفون ومسرحيون منذ أواخر الأربعينات. وتعاقب على إدارتها رواد تركوا بصمة عميقة في تاريخ المسرح التونسي، من بينهم محمد عبدالعزيز العقربي، علي بن عياد، محسن بن عبدالله، بشير الدريسي، عبدالمجيد الأكحل، عبدالعزيز المحرزي، محمد كوكة، ثم منى نور الدين، وصولاً إلى إدارات لاحقة تشرف عليها اليوم كوثر الباردي.

وبهذا المعنى، لا يمثّل "كحلة الأهذاب" مجرّد عرض مسرحي جديد، بل هو تحية لذاكرة جماعية، وتكريم لأجيال متعاقبة من المسرحيين، وسعي إلى ربط الماضي بالحاضر عبر رؤية فنية تُعيد الاعتبار للثقافة بوصفها فعلاً مقاوماً ومؤسساً للهوية.