كوابيس ترامب ونتنياهو الانتخابية

لا شك أن مشكلة ترامب مع الداخل الأميركي أكبر بكثير من مشكلته مع حلفائه الأوروبيين وأكبر بكثير من مشكلته ذات الطابع الاقتصادي مع الصين وأكبر بكثير من مشكلته مع روسيا.

من المقرر أن يشهد العام الحالي، وتحديدًا في مطلع شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تشمل انتخاب أعضاء جدد لمجلس النواب، والبالغ عددهم 435 نائبًا، وأربعة وثلاثين عضوًا لمجلس الشيوخ من مجموع مائة عضو، وانتخاب حكام لثلاث وثلاثين ولاية، إلى جانب انتخاب أعضاء جدد للعديد من المجالس التشريعية المحلية للولايات.

ومن المقرر أن يشهد العام الحالي أيضًا، في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، أي قبل الانتخابات الأميركية بأيام قلائل، انتخابات أخرى في إسرائيل، لاختيار أعضاء الكنيست السادس والعشرين، المؤلف من مائة وعشرين نائبًا.

تجري كلتا العمليتين الانتخابيتين في ظل ظروف وأوضاع سياسية وأمنية واقتصادية حرجة، وفي خضم تحديات صعبة وخطيرة للغاية، جراء تداعيات وانعكاسات وآثار الحرب التي شنتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي.

 وكان الهدف الأساسي والمحوري منها هو الإطاحة بالنظام الحاكم في طهران خلال أيام أو أسابيع قلائل، وتنصيب نظام جديد يتماهى مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، بعد تدمير كل القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، بيد أن ذلك لم يتحقق بعد مرور أربعين يومًا، وما حصل أنه لا النظام الإيراني سقط، ولا الشعب الإيراني ثار وانتفض، ولا عمت الفوضى شوارع المدن الإيرانية، ولا انتهى البرنامج النووي، ولا تم تدمير القدرات الصاروخية، بل إن إيران نجحت في إقحام واشنطن وتل أبيب في حرب استنزاف، بدا أنها مستعدة لتحمل تبعاتها حتى وإن طالت وامتدت لبضعة شهور، خصوصًا بعدما أحدثت طائراتها المسيّرة وصواريخها الباليستية دمارًا هائلًا بالداخل الإسرائيلي، وبالقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.

وبدلاً من هدف إسقاط النظام الإيراني، بات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث عن فتح مضيق هرمز، ويتوسل، بلغة التهديد، للإيرانيين للجلوس على طاولة التفاوض، هذا في الوقت الذي راحت حملات الانتقادات الحادة واللاذعة له تتسع وتزداد في داخل أوساط الكونغرس، ووسائل الإعلام، وعموم الشارع الأميركي، وحتى من بعض الحلفاء وكبار المسؤولين في إدارته، وليس الخصوم فحسب، بحيث إنه خلال الشهرين الماضيين، استقال أو أُقيل عدد لا بأس به من كبار الشخصيات المدنية والعسكرية الأميركية، ارتباطًا بمواقفهم المعارضة والرافضة لشن الحرب ومواصلتها، بلا رؤية ولا خطة واضحة لإنهائها.

لا شك أن مشكلة الرئيس ترامب مع الداخل الأميركي أكبر بكثير من مشكلته مع حلفائه الأوروبيين المنضوين تحت مظلة حلف الناتو، وأكبر بكثير من مشكلته ذات الطابع الاقتصادي مع الصين، وأكبر بكثير من مشكلته مع روسيا الرافضة بشدة إنهاء حربها مع أوكرانيا إلا بهزيمة واستسلام الأخيرة.

الداخل الأميركي بكل عناوينه ومسمياته هو من سيقرر ويحدد مخرجات انتخابات التجديد النصفي، وهذا الداخل بات يعاني بوضوح من تبعات الحرب وتداعياتها الاقتصادية على حياته اليومية، فأسعار الوقود في مختلف الولايات الأميركية الخمسين تضاعفت، ومعها السلع الغذائية ومختلف الخدمات الأساسية، في ظل شعور مؤلم لدى معظم الأميركيين بأن أموال الضرائب التي دفعوها ويدفعونها لم تُوظَّف لتحسين حياتهم، وإنما ذهبت إلى حرب عبثية بعيدة عنهم كثيرًا.

وتؤكد العديد من استطلاعات الرأي انخفاض شعبية ترامب إلى حد كبير، وكذلك تراجع نسبة التأييد للحزب الجمهوري في مقابل صعود وتنامي حظوظ منافسه وخصمه اللدود، المتمثل بالحزب الديمقراطي، وكل ذلك بسبب حرب إيران.

وفي هذا السياق، يشير استطلاع للرأي أجرته وكالة رويترز للأنباء منتصف شهر نيسان/أبريل الماضي، إلى "أن الزيادات في الأسعار تثقل كاهل الأسر الأميركية، وتؤجج مخاوف الجمهوريين المؤيدين لترامب من احتمال خسارتهم السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل"، وتوضح أرقام الاستطلاع "أن 41 في المئة من الجمهوريين غير راضين عن تعامل ترامب مع كلف المعيشة، فيما أعرب الناخبون المستقلون، وهم المجموعة التي ستكون حاسمة في انتخابات التجديد النصفي، عن تأييدهم للحزب الديمقراطي بنسبة 34 في المئة مقابل 20 في المئة للحزب الجمهوري".

وتتفاقم مشكلة ترامب، ويزداد كابوس الانتخابات وطأة عليه، كلما اقترب موعد إجرائها بعد حوالي ستة شهور، وكلما طالت الأزمة مع إيران وبقيت الأمور معلقة والملفات مفتوحة دون حسم.

ولعل النقاشات المحتدمة، وجلسات الاستماع في الكونغرس لعدد من كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، وأبرزهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، التي شهدت انتقادات غير مسبوقة لترامب وفريقه، ووصل الأمر إلى حصول مهاترات وسجالات تضمنت شتائم وإهانات مخزية، لعلها تؤشر إلى عمق الأزمة وخطورتها على الحزب الجمهوري خصوصًا، وعلى الأميركيين بشكل عام.

وفي الجانب الآخر، لا يبدو رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أفضل حالًا من صديقه وحليفه دونالد ترامب، فكوابيس الانتخابات راحت تقض مضاجعه هو الآخر، بعدما تبددت كل آماله وتمنياته بالقضاء على النظام الإيراني، وحزب الله اللبناني.

فمع استمرار هجمات حزب الله، والخسائر البشرية والمادية في صفوف جيش الكيان، وبقاء أوضاع المستوطنات في شمال الأراضي المحتلة مضطربة إلى حد كبير، ومع سوء الأوضاع الاقتصادية، والحملات المتواصلة ضده من قبل خصومه، والملاحقات القضائية له ارتباطًا بملفات فساد وسوء استغلال السلطة، تبدو فرص حزبه، تكتل الليكود اليميني المتطرف، ضئيلة في انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر القادم، وفي حال خسر هذه الانتخابات، وهذا هو المتوقع، فذلك يعني مغادرته السلطة، ويعني رفع الحواجز والمعوقات التي تمنع إصدار الأحكام القضائية عليه، لينتهي مصيره إلى السجن.

وكما يردد بعض الساسة والمفكرين وأصحاب الرأي في واشنطن وتل أبيب، باتت لعنة الحرب على إيران تلاحق ترامب ونتنياهو، وربما لن تتركهما حتى بعد أن يفقدا السلطة والنفوذ، وتنقلب عليهما الموازين. هكذا هي الكوابيس الانتخابية، تنذر بالنهايات السيئة مبكرًا!.