كوارث التمديد والخيار البديل

تصريحات وزير الخارجية الأميركية جون كيري، التي قلل فيها من أهمية الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، أحدثت ردات فعل منددة في تل أبيب، ومع ذلك لم تستطع هذه التصريحات إلقاء الستار على ما يدور في المباحثات التي أجراها الرئيس محمود عباس مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن مؤخرا.

فبعيدا عن الأحاديث البروتوكولية التي تدور عادة في اللقاءات العامة والمؤتمرات الصحفية، لاحظت مصادر فلسطينية مطلعة بأن الجهد الأميركي ينصب على «إقناع» المفاوض الفلسطيني بالموافقة على تمديد المفاوضات التي من المفترض أن تنتهي في أواخر شهر نيسان/أبريل القادم.

فهل يوافق المفاوض الفلسطيني على التمديد متجاوزا رأي اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، أم يعود إلى المؤسسات الوطنية الفلسطينية مجددا للبحث في الخيارات البديلة التي قررها الإجماع الوطني؟

بات من المؤكد أن الإدارة الأميركية لا تملك الإرادة والرغبة في ممارسة أي ضغط على نتنياهو وحكومته كي يتراجع عن التغول الاستيطاني في الضفة الفلسطينية عموما وفي القدس على نحو خاص. ومع ذلك، فإن سهم ضغوطها لا يزال يتجه نحو المفاوض الفلسطيني حصرا، في الوقت الذي وافقت فيه على الشروط والاعتبارات الأمنية والتوسعية الإسرائيلية على الرغم من سيل الاحتجاجات والشكاوى التي أبداها المفاوض الفلسطيني.

مخاطر التمديد للمفاوضات ماثلة أمام معظم القوى والفصائل والشخصيات الوطنية الفلسطينية، وأبرزها.

■ تعني الموافقة على تمديد المفاوضات حكما، استمرار الموافقة على الشروط التي فرضت على المفاوض الفلسطيني قبيل انطلاقها ضمن ما سمي تفاهمات كيري. وفي مقدمة هذه الشروط تخلي الجانب الفلسطيني عن مسعاه نحو الأمم المتحدة، وعدم البناء على ما تم انجازه أواخر العام 2012 بعد صدور القرار الأممي بترقية تمثيل فلسطين والاعتراف بها دولة تحت الاحتلال وتعريفها حدودا وعاصمة.

كل ذلك مقابل استمرار المفاوضات التي لا تتجاوز كونها مشهدا في سيناريو التسوية المعطلة، والتي ثبت أنها بدون أفق جدي ربطا بالأسس التي قامت عليها.

وفي غمرة المفاوضات مؤخرا، لم تتوقف حملات الاجتياح والاعتقالات في صفوف الفلسطينيين، بل ارتفعت وتيرتها، إلى جانب تصاعد الاعتداءات التي يقوم بها المستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم بمؤازرة من جيش الاحتلال.

■ وفيما كانت الإدارة الأميركية على لسان وزير الخارجية كيري وغيره تطالب بتمديد المفاوضات عاما آخر، كان نتنياهو وحكومته، يحسمون نتائجها على الأرض من خلال تقرير مستقبل الاستيطان بضم كتله الأساسية الكبرى إلى إسرائيل، ويشطبون القدس من جدول أعمال المفاوضات باعتبارها مدينة موحدة وعاصمة أبدية لإسرائيل. إلى جانب ذلك، يشترط رئيس الوزراء الإسرائيلي على المفاوض الفلسطيني أن يوافق على شرطين أولهما،الموافقة على شطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم، والثاني، الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل.

ولا نعرف في هذه الحال مالذي يمكن أن تبحثه المفاوضات إن استمرت بعدما شطب ملف الحدود وتم تضمينه كفرع ملحق في ملف الأمن عبر الرؤية الإسرائيلية، ثم شطب القدس، وبعد ذلك شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين ومن ثم التسليم بيهودية دولة إسرائيل ووضع الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد النكبة في مهب السياسات العنصرية الإسرائيلية.

فما الذي يجعل المفاوض الفلسطيني يفكر مجرد تفكير في الموافقة على تمديد المفاوضات التي يعني إعطاء الموافقة الفلسطينية على ما سبق ذكره من إجراءات عدوانية وتوسعية تمارسها حكومة نتنياهو؟

سؤال ليس برسم المفاوض الفلسطيني فحسب بل موجه في الأساس إلى الحالة الفلسطينية السياسية وخاصة في منظمة التحرير ولجنتها التنفيذية، وهو سؤال أيضا يوجهه الشارع الفلسطيني الذي أطلق مسيرات وتظاهرات تطالب بإقفال باب المفاوضات وقيام الرئيس عباس بإعلان فشل المفاوضات من واشنطن.

فالقوى والفصائل والشخصيات الوطنية ومعهم حركة الشارع الفلسطيني ضد استمرار المفاوضات ورأوا في استئنافها من حيث المبدأ إعطاء الفرصة للتوسعية الإسرائيلية بأن تتغول على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.. فمن يبقى إذن مع المفاوضات وتمديدها.

ما يمكن أن يتعرض له الفلسطينيون من ضغوط وتهديد بعقوبات سياسية ومالية لا يقارن بما يمكن أن يخسروه فعليا من حقوقهم في حال استمرت المفاوضات وحقق نتنياهو من مجرد استمرارها ما تريده تل أبيب سياسيا وأمنيا.

يحصل ذلك في ظل تواطؤ أميركي مكشوف مع المخططات التي تسعى إلى تحقيقها حكومة نتنياهو، وقد وجدت كل من واشنطن وتل أبيب أن الفلسطينيين امتلكوا سلاحا سياسيا لا يستهان به عندما انطلقوا في مسعاهم نحو الأمم المتحدة، ولذلك شددتا الضغوط على المفاوض الفلسطيني كي يقلع عن هذا المسعى.

الرد على ذلك يكون بالتوجه مجددا إلى الأمم المتحدة وتحدى الضغوط الأميركية والإسرائيلية والانتساب إلى المؤسسات والهيئات الدولية وخاصة تلك المعنية بمحاسبة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه والبدء بالانتساب إلى المحكمة الجنائية الدولية لوضع إسرائيل أمام مساءلة القانون الدولي، والانتساب أيضا. إلى اتفاقات جنيف الأربع، بما يضمن وضع قضية الأسرى الفلسطينيين في إطارها القانوني والسياسي الصحيح وبما يكفل رفع سيف الإجراءات التعسفية التي تقوم بها سلطات السجون ضد المعتقلين والأسرى. كما من الضروري وضع قضية الاستيطان وحملات التهويد وهدم منازل الفلسطينيين على طاولة البحث في الأمم المتحدة كي يقول فيها المجتمع الدولي رأيا فاصلا ربطا بقرارات الشرعية الدولية التي صدرت في هذا الشأن.

ثمة محاور عدة في العمل الوطني الفلسطيني ينبغي أن يتم الالتفات إليها بشكل جدي وإدارة الظهر فعلا لعملية التسوية طالما هي قائمة على الأسس ذاتها التي انطلقت وفقها قبل أكثر من عشرين عاما.

وأهم هذه المحاور، البحث في عوامل استجماع مصادر القوة الفلسطينية بدءا من تنفيذ قرارات الإجماع الوطني بشأن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وإلى جانب ذلك تصويب السياسات الاقتصادية والاجتماعية للسلطة الفلسطينية والاتجاه بشكل ملموس نحو تعزيز الجانب التنموي في النشاط الاقتصادي الفلسطيني وتخفيف الاعتماد على المساعدات والمنح الخارجية التي تسعى إلى ربط مواقف السلطة بعجلة مصالح المانحين.

وإلى جانب ما سبق أيضا وفي المقدمة، إنهاض المقاومة الشعبية الفلسطينية وحمايتها سياسيا وماديا في مواجهة السياسات التوسعية والعدوانية الإسرائيلية كرد مباشر وعملي على هذه السياسات، ووضع الاحتلال الإسرائيلي أمام نتائج تغوله في العدوان على الشعب الفلسطيني، ووقوف المجتمع عند مسؤولياته في الوقت الذي تعيش فيه الأراضي الفلسطينية المحتلة على حافة الانفجار نتيجة الاحتقان الشعبي والسياسي جراء ما يقوم به الاحتلال.

مجددا يمكن القول إن ما يكلفه الانخراط في هذه المهام الوطنية الكبرى لا يمكن مقارنته مع ما يمكن أن يخسره فعلا الشعب الفلسطيني حاضرا.. ومستقبلا في حال تواصلت المفاوضات بصيغتها وأسسها القائمة.