كيف تعالج الأنظمة السياسية أزماتها؟

الأزمات تلاحق الأنظمة السياسية، التي لا تمتلك قدرة على معالجتها معالجة جذرية، في غياب رؤية علمية منطقية تتخطى حدود مصالحها الآنية، فتقلب الأوراق والملفات وتقتبس من الأفكار ما يأخذ شكل حل سطحي لـ "أزمة" هي جزء لا يتجزأ من "أزمة عالمية" تبعث على التشاؤم.

التشاؤم.. صفة الوعي في مزايا الارتقاء الفكري!

فالوعي يميط اللثام عن أزمة العالم الكبرى التي تبتلع الأرض بمن فيها.. ويلامس جوهر الخطر الذي يتعايش معه الإنسان مضطرا.. حينها لا يملك أحدنا إلا الاحساس الطاغي بالتشاؤم.

أزمة أكبر من عقل يحاصرها، ما شكلها، وما لونها، ما مضمونها؟

لا نراها، إلا وقد اختلطت بألوان قوس قزح، فالغاوون يمنحونها اللون الوردي المسكن لآلام التشاؤم، فالأزمة بيئة العادلين بظلمهم.

أزمة اقتصادية هي..! أزمة سياسية! أزمة فكرية!

تعددت الأشكال والمضمون واحد، إنها الأزمة الأخلاقية الإنسانية في عالم مضطرب..

الأزمة لا تحلل من منظور واحد.. فالأزمة التي تعددت أشكالها وخنقت العالم، تنطلق مسارات معالجتها من أبعادها الجوهرية في العلم والدين والفكر وتتعداها لتصل إلى الحالات النفسية والعقلية.

فتلك الأبعاد هي المكون الرئيسي لشكل النظام الذي يحكم العالم.

المجتمعات الإنسانية تعاني ما تعانيه من صعوبة الحصول على الموارد اللازمة للحياة، ومصادر الخيرات يجففها المهيمنون المسرفون المبذرون في بيئة اكتسحها التلوث.

والحل ليس في متناول أحد! حتى علم الاقتصاد الذي لا يقوم فقط على أساس السبب والنتيجة فهو الخليط المرتبط بعدة متغيرات.. بات من الصعب عليه أن يحدد مثلا ارتفاع الأسعار الناجم عن تعقيدات الحاجات أو العكس وكل العوامل تزداد أهمية يوما بعد يوم!

أميركا اللاتينية الأرض الآخذة في الاتساع، نظر إليها العالم حقا.. باعتبارها المستودع الكبير للاحتياطي الاقتصادي العالمي.. لكنها اليوم تحمل اسم قارة "الفقر والمرض".

وهذه الأرجنتين يصل حصول معدل التضخم فيها إلى 210 بالمائة حسب الإحصاءات الرسمية و300 بالمائة حسب مصادر الاحزاب السياسية.

أما تشيلي التي بلغت نسبة التضخم فيها 503 بالمائة وضعت ثمن معالجة أزماتها ارتفاعا في نسبة البطالة وصلت إلى أعلى نسبة عرفتها قارة أميركا اللاتينية.

والنسبة تصل إلى 40 بالمائة من البطالة في المكسيك وهي الدولة التي تحتل المرتبة الرابعة بين الدول ذات الاحتياطي النفطي في العالم.

وهكذا تغرق أميركا اللاتينية "مستودع الاحتياطي الاقتصادي العالمي" في أزماتها الخانقة.

وحال أميركا اللاتينية لا يختلف كثيرا عن حال آسيا التي يجتاح الفقر معظم أراضيها، وتحاصرها الأزمات السياسية أما افريقيا فهي حال الفقر البديهي الذي يدرك حقيقته العالم أجمع.

والأزمة لا تتوقف عند حدود قارات البؤس والحرمان حيث العديد من المشاكل التي تعانيها ناجمة عن الأزمة الحادة التي تعصف بدول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية نظرا لأنها المستوردة الرئيسية لمنتوجات العالم الثالث، ونظرا لانخفاض الطلب في الأسواق الداخلية في الدول النامية فحينها تقلل هذه الدول من مستورداتها الخارجية تبلغ مستوى العجز في تسديد ديونها.

شكل العالم الراهن

أي شكل للعالم إذن.. هو الشكل الذي نراه به؟

هو الشكل التشاؤمي الذي رسمه الاقتصاديون والمفكرون وعلماء الاجتماع بناء على معطيات علمية منطقية، فكانت النتائج الطبيعية لتحاليلهم وتجاربهم التي شملت العالم أجمع، وكشفت عن خصائص الأزمة التي يعيشها ادجار بيساني المفكر الاقتصادي الاوروبي عندما كلف في سنوات مضت بإعداد تقرير عن حالة العالم الثالث وخصائصه ليتسنى لدول أوروبا اختيار كيفية التعامل معه، دعا دول أوروبا قائلا:

"إن أية سياسة أوروبية يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه العوامل عند تعاملها مع العالم الثالث:

أولا: عوامل إنسانية – حيث يلقون حتفهم جوعا، وحيث النساء والرجال يفعلون المستحيل للخروج من البؤس.

ثانيا: عوامل اقتصادية وتمويلية ـ رفع مستوى الحياة كشرط أساسي لتنشيط الأسواق وإعادة الثقة إلى الاستثمارات الدولية.

ثالثا: عوامل سياسية ـ وهي حالة الاضطراب والقلاقل المستمرة التي تعيشها كثير من دول العالم الثالث.

ويبقى العامل الاقتصادي، العامل الذي يفوق كل العوامل الأخرى فقد وصلت الأحوال إلى درجة تجبر الدول المتقدمة صاحبة الديون أن تقدم الوسائل اللازمة للدول المديونة لكي تضمن استعادة ديونها، ومع ذلك فهذا غير مضمون على المدى البعيد إذ لم يتم رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي لدول العالم الثالث.

وإذ تتعاظم الأزمة العالمية.. كانت المحاولات التي لجأت إليها مختلف القوى السياسية والاقتصادية بمثابة العوامل التي زادت من خطورة الوضع إذ استخدمت هذه القوى المهيمنة شعوب العالم الثالث كحقل للتجارب الاقتصادية والتجارية، ومساحات لتصدير الصراعات السياسية.

يقول الاقتصادي الاسباني "ادولفو دوديرو خوردان" أن الأزمة العالمية تتطلب كما في أي مرض المعاينة ثم تطبيق العلاج الملائم، ويبدو كثير من المسؤولين وهم يتجاهلون ضرورة المعاينة ويتبعون أسلوب الخطأ والصواب في العلاج على أمل الوصول إلى الحل ولو بطريق الصدفة وليس من الضروري القول بأن هذا الأسلوب لا ينصح به سواء لمعالجة الأزمة الاقتصادية أو الحالات المرضية في علم الطب.

الدول والحلول

الأزمة حقيقة واقعة لا يمكن تجزئتها فهي ببعد عالمي لكن الأنظمة السياسية تلجأ إلى التخفيف من وطأة الأزمة لدواعي يلزمها الأمن والاستقرار السياسيين، دون الوصول إلى حلول جذرية تقتل الأزمة في عروقها، فتميل إلى اختيار المسكنات أو العقاقير التي تخفض من درجات الحرارة.

فالنظام السياسي أي نظام لا يمتلك مفاتيح حلول الأزمة يتجه إلى إرضاء كل القطاعات الاجتماعية في وقت واحد فأي صراع أو صدام سيؤدي حتما إلى زعزعة الوضع الداخلي.

وتبدو هنا الإجراءات الاقتصادية والسياسية متناقضة في معظم الأحيان لأنها لا تهدف إلى حل المشكلة جذريا بل لضمان حل تكتيكي..

فإذا ما طالب العمال بزيادة في الأجور نظرا لارتفاع الأسعار تجري الموافقة على ذلك وفي ذات الوقت إذا ما طالب أصحاب المصالح بزيادة الأسعار نظرا لارتفاع الأجور فتتم الموافقة لهم على ذلك.

وبذلك تبقى القدرة الشرائية ثابتة ولا يستطيع أي من الطرفين اتهام الحكومة بأنها لم تلب مطالبه.

يبقى النظام السياسي عاجزا عن حل الأزمة!

انه يتخذ الخطوات التي لا تحل الأزمة بل تؤخر عواقبها لضمان استمرارية الأزمة لمدة طويلة وكبت نتائجها السلبية إلى حين.

ويصف مفكر اقتصادي هذا الأسلوب بأنه الأسلوب الذي يشبه الطبيب الذي يحاول تخفيض درجة حرارة المريض بدون معرفة أسباب المرض، ونتبع هذه الطريقة إذا كانت أسباب الأزمة مجهولة أو لانعدام الرغبة في تحمل المسؤولية.

احتمالات وتوقعات

ماذا تفعل الحكومة العاجزة عن استيعاب شروط الواقع وتداخلاته؟

ـ الحكومة العاجزة أصلا تميل إلى اتخاذ إجراءات على عدة مستويات في وقت واحد، لعل أحد هذه الإجراءات يكون صائبا.

أو تلجأ الحكومة إلى استيراد حلول جاهزة من بلد آخر نجح في إيجاد أسلوب لمعالجة أزمته.. دون الأخذ بنظر الاعتبار أن ما يمكن الاستفادة منه في بلد ما لا يمكن أن يعود بالفائدة لبلد آخر.

وتعقب عملية استيراد الحلول عادة اللجوء إلى تغيير المسؤولين والوزراء أملا في الوصول إلى أحد لديه القدرة على حل الأزمة، كل هذا يحصل في التعامل مع الأزمة والأسلوب العلمي هو الغائب على الإطلاق وحتى وإن وجد فإنه يفتقر لعوامل أخرى مكملة.

إنه أسلوب الخبراء والفنيين الذين اعتادوا اتخاذ إجراءاتهم بعد دراسات وتجارب عميقة تؤخذ في الحسبان كل المتغيرات التي تؤثر حتما في الواقع السياسي والاقتصادي.. ورغم ذلك تبقى النتائج التي تم الوصول إليها غير كفيلة بحل مشكلة قائمة أصلا.

الأزمة رغم كل شيء لها شكل ومضمون.. لكن المجتهدين يميلون إلى منحها أكثر من شكل ولون لإخفاء جوهرها.

أزمة سياسية.. لا تنفصل عن الاقتصاد فتمتد ببعدها الاجتماعي إلى كل مكان لكن جوهرها الأصلي يتحدد في شكل النظام الذي يحكم العالم.. فالأزمة الاقتصادية تبرز في شكل صراع سياسي تتعدد فروعه وتتنوع منابع أصوله..

وتبقى الأزمة هي الأزمة.. تحكم العالم المجنون!