كيف توظف الإمارات الثقافة والسياحة لترسيخ نموذجها التنموي؟

توجّه متكامل لا يقتصر على استقطاب السياح أو تنظيم الفعاليات، بل يهدف إلى بناء منظومة ثقافية وحضارية تجعل من التراث جزءا من التنمية المستدامة ومن جودة الحياة أحد عناصر التنافسية العالمية للدولة.
رانيا عبدالعاطي
القاهرة

تمضي دولة الإمارات في ترسيخ نموذج تنموي يقوم على تحويل الثقافة والتراث والسياحة إلى أدوات فاعلة في تعزيز حضورها الدولي وبناء قوة ناعمة تتجاوز حدود الإنجازات الاقتصادية والعمرانية، مستفيدة من مزيج يجمع بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الهوية الوطنية، في مقاربة باتت تشكل أحد أبرز ملامح التجربة الإماراتية خلال السنوات الأخيرة.

وتكشف سلسلة من المبادرات التي أُعلن عنها مؤخرا عن توجّه متكامل لا يقتصر على استقطاب السياح أو تنظيم الفعاليات بل يهدف إلى بناء منظومة ثقافية وحضارية تجعل من التراث جزءا من التنمية المستدامة ومن جودة الحياة أحد عناصر التنافسية العالمية للدولة.

وفي هذا الإطار، بدأت دائرة السياحة والثقافة والإعلام بعجمان جولة ترويجية في الصين تشمل مدن غوانغجو وشنغهاي وبكين، بهدف تعزيز العلاقات مع منظمي الرحلات وشركات الطيران والمؤسسات السياحية، واستكشاف فرص جديدة للتعاون والاستثمار.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه الإمارات تعزيز حضورها في الأسواق الآسيوية، مستفيدة من النمو المتزايد لحركة السياحة الصينية، في ظل ما توفره الدولة من بنية تحتية متطورة وخدمات سياحية وثقافية متنوعة تجعلها من الوجهات الأكثر جاذبية في المنطقة.

ويرى خبراء في قطاع السياحة أن التحركات الإماراتية تعكس رؤية تقوم على تنويع الأسواق وعدم الاعتماد على مصادر تقليدية للزوار، إلى جانب استثمار العلاقات الاقتصادية المتنامية مع الصين لدعم القطاع السياحي والثقافي.

وفي موازاة الحضور الخارجي، تتواصل الجهود الرامية إلى تعزيز الارتباط بالموروث المحلي. وأطلق مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث "شوط تمرة البيت" ضمن فعاليات مهرجان "دبي للرطب 2026"، في مبادرة تستهدف تشجيع أفراد المجتمع على زراعة النخيل والعناية بها داخل المنازل، بما يسهم في ترسيخ مكانة النخلة بوصفها رمزا ثقافيا وتاريخيا ارتبط بحياة.

دبي
تعزيز السلوكيات الإيجابية

 الإماراتيون على مدى الزمن

وتعكس المبادرة توجها أوسع نحو إشراك المجتمع في حماية الموروث الشعبي وعدم الاكتفاء بحفظه داخل المتاحف أو الفعاليات الموسمية، من خلال إعادة دمجه في الحياة اليومية وتحويله إلى جزء من الثقافة المجتمعية المعاصرة.

ويشكل قطاع التراث أحد العناصر الرئيسية في استراتيجية الإمارات الثقافية، حيث نجحت الدولة خلال السنوات الماضية في تسجيل عدد من عناصرها الثقافية ضمن قوائم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، بما يعكس اهتماما متزايدا بالحفاظ على الموروث غير المادي ونقله إلى الأجيال الجديدة.

وفي سياق متصل، تواصل دبي جهودها الرامية إلى تعزيز جودة الحياة والحفاظ على المظهر الحضاري للإمارة، حيث استعرضت اللجنة التوجيهية للحفاظ على المظهر الحضاري، ضمن رؤية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عددا من المشاريع والمبادرات التي تستهدف تطوير المشهد العمراني، وتعزيز السلوكيات الإيجابية وترسيخ قيم المسؤولية المجتمعية.

ولا تقتصر هذه الجهود على الجوانب الجمالية، بل تنطلق من رؤية تعتبر البيئة الحضرية جزءا من منظومة السعادة وجودة الحياة التي تسعى الإمارة إلى ترسيخها، وهو ما انعكس على المكانة التي تحتلها دبي ضمن المؤشرات الدولية المتعلقة بجاذبية المدن ومستويات المعيشة.

ويرى مراقبون أن مفهوم التنمية في الإمارات لم يعد يقتصر على المشروعات الاقتصادية الكبرى، بل أصبح يشمل الاستثمار في الإنسان والمكان والهوية الثقافية، بما يعزز من قدرة الدولة على تقديم نموذج تنموي يجمع بين الحداثة والأصالة.

كما تشهد الساحة الفكرية والثقافية نشاطا متواصلا، حيث انطلقت الدورة العلمية السادسة والعشرون للمنتدى الإسلامي بمشاركة نخبة من العلماء والمتخصصين، في خطوة تعكس اهتمام المؤسسات الدينية والثقافية بتعزيز الخطاب الوسطي ونشر قيم التسامح والتعايش، وهي قيم أصبحت جزءا من الصورة التي تسعى الإمارات إلى ترسيخها إقليميا ودوليا.

ويشير تزامن هذه المبادرات إلى وجود رؤية متكاملة تعتبر الثقافة والتراث والسياحة وجودة الحياة عناصر مترابطة في مشروع تنموي أوسع، يهدف إلى تعزيز مكانة الإمارات كمركز عالمي للأعمال والسياحة والثقافة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الخصوصية الوطنية في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة.

ومع استمرار الاستثمار في القطاعات الثقافية والإبداعية، تبدو الإمارات ماضية في تحويل القوة الناعمة إلى رافعة اقتصادية وحضارية، مستفيدة من التنوع المجتمعي والانفتاح الدولي، ومقدمة نموذجا يسعى إلى الموازنة بين متطلبات المستقبل والحفاظ على الجذور التاريخية والهوية المحلية.